سلطان العاشقين

منتديات سلطان العاشقين يسرها ان ترحب بكم في رحابها املين ان تكونوا سعداء بما تطلعون عليه 0 واقبلوا محبتنا
سلطان العاشقين

اسلامى شامل

المواضيع الأخيرة

» أستاذى الكريم الصحفى الكبير فيصل محمد عوكل.............
الإثنين ديسمبر 01, 2014 6:10 am من طرف عبدالقـــادر

» ارخص اسعار الحج السياحى طيران من مصر مع سلطانة تورز 2014
السبت يونيو 07, 2014 3:59 am من طرف احمد تركى

» فك السحر فك العمل فك المس علاج المس فلاج قراني للسحر
الخميس ديسمبر 26, 2013 11:00 am من طرف انا فيروز

» بشـــــــــــــــــــرى لكـــــــل ربــه منزل وسيده اخيــــــــرا
الإثنين ديسمبر 02, 2013 12:47 pm من طرف انا فيروز

» الهي ادعوك وارجوك فما من اله غيرك يدعى فيرجى فيجيب الا انت يا الله
الأحد أكتوبر 21, 2012 1:05 am من طرف amho2005

» عيد الاضحىالمبارك اعاده الله علينا وعليكموعلى كل من قال لااله الا الله محمد رسول الله بكل الخير والسلام
السبت أكتوبر 13, 2012 8:08 am من طرف سلطان العاشقين

» يسرنا نحن مكتب أبراج مكة للعمرة والزيارة أن نقدم خدماتنا لزيارة مكة المكرمة والمدينة المنورة وأداء مناسك العمرة . وخدماتنا متمثلة في :
الخميس يونيو 28, 2012 2:50 am من طرف سلطان العاشقين

» عجبت لابن ادم كيف لايسال مولاه في كل حال فيما يريد 00 ويسال الخلق الحلول
الثلاثاء يونيو 26, 2012 11:49 am من طرف سلطان العاشقين

» الحب الحب لله والحب بالله 0 والحب لكل ماخلق الله 0 الحب طريق الايمان
الأربعاء مايو 30, 2012 1:47 am من طرف سلطان العاشقين

التبادل الاعلاني


    كتاب شرح الحكم العطائية سيدي بن عطاء الله السكندري

    شاطر

    سلطان العاشقين
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 655
    تاريخ التسجيل : 12/10/2008

    شكرا جزيلا على مساهمتكم القيمه

    مُساهمة من طرف سلطان العاشقين في الخميس أكتوبر 16, 2008 2:26 pm

    اخي عبد الله محمد جزاك الله الخير بما قدمت
    وارجو الله ان تكون في موازين الخير والرحمه في ميزان حسناتك

    عبدالله محمد
    نائب المدير والاداره
    نائب المدير والاداره

    عدد المساهمات : 171
    تاريخ التسجيل : 13/10/2008
    العمر : 48
    الموقع : بحر الشمال جزيرة ارهوس

    رد: كتاب شرح الحكم العطائية سيدي بن عطاء الله السكندري

    مُساهمة من طرف عبدالله محمد في الخميس أكتوبر 16, 2008 2:28 pm

    ص 158
    ( 237 )
    جعله لك عدواً ليحوشك به إليه وحرك عليك النفس ليدوم إقبالك عليه
    أي جعل الله لك الشيطان عدواً كما قال تعالى : { إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا } ( 6 ) فاطر . ليحوشك أي ليردك به إليه سبحانه فإنك إذا عرفت أنك لا تطيق رد غوايته لك بنفسك اضطررت إلى الاستعانة عليه بربك فكان تسليطه في الحقيقة من الله عليك نعمة . فاشكر مولاك الحكيم عليها وتأمل بفكرك هذه الحكمة وكذلك حرك عليك النفس بطلب متابعة الشهوة والهوى ليدوم إقبالك عليه تعالى فإنك لا تقدر على مجاهدتها وقمع شهواتها إلا بمعونة مولاك فإذا أرجعك بها إليه فقد بلغك مناك
    وكأن المصنف رضي الله عنه يشير إلى الأعداء الأربعة المجموعة في قول بعضهم :
    حقيقة التواضع . . ص 159
    إني بليت بأربع يرمينني بالنبل عن قوس لها توتير
    إبليس والدنيا ونفسي والهوى يا رب أنت على الخلاص قدير
    ( 238 )
    من أثبت لنفسه تواضعاً فهو المتكبر حقاً إذ ليس التواضع إلا عن رفعة فمتى أثبتّ لنفسك تواضعاً فأنت المتكبر
    يعني أن من أثبت لنفسه تواضعاً بأن خطر بباله أنه متواضع فهو المتكبر حقاً إذ ليس التواضع الذي أثبته لنفسه ناشئاً إلا عن شهود رفعة كان يستحقها وتنازل عنها إلى ما دونها . وشهود ذلك هو عين التكبر
    فمتى أثبت لنفسك تواضعاً وشاهدت أنك نزلت عن الدرجة التي تستحقها فأنت المتكبر بها ولا ينتفي عنك التكبر إلا بوجود الصفة حقيقة بأن لا ترى لنفسك قيمة ولا مرتبة . كما قال الشبلي : من رأى لنفسه قيمة فليس له من التواضع نصيب . وعلامة المتحقق بهذا الخلق أن لا يغضب إذا عوتب ولا يكره أن يذم أو يقذف بالكبائر ولا يحرص أن يكون له عند الناس قدر أو جاه
    وقال أبو يزيد : ما دام العبد يظن أن في الخلق من هو شر منه فهو متكبر . قيل : فمتى يكون متواضعاً ؟ قال : إذا لم ير لنفسه مقاماً أو حالاً
    وتواضع كل أحد على قدر معرفته بربه وبنفسه . فقد كان بعض العارفين إذا عارضه في الطريق كلب يوسع له ويمشي هو أسفل منه ويقول : هو أولى بالكرامة لأني كثير الذنوب والكلب لا ذنب له
    وقال بعضهم : لا يجوز للإنسان أن يرى لنفسه مزية على غيره ولو كافراً لعدم أمن العاقبة . وناهيك قوله تعالى : { فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ . . . } ( 99 )
    ص 160
    الْخَاسِرُونَ } . وقوله تعالى : { وَاعْلَمُوا أن اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ } ( 24 ) الأنفال
    وفي الحديث : " لقلب ابن آدم أشد انقلاباً من القدر إذا استجمعت غلياناً " . وكان صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يقول : " يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك "
    ثم وضح ما تقدم بقوله :
    ( 239 )
    ليس المتواضع الذي إذا تواضع رأى أنه فوق ما صنع ولكن المتواضع الذي إذا تواضع رأى أنه دون ما صنع
    فمن جلس في آخر المجلس مثلاً ورأى أنه يستحق الجلوس في صدره وإنما فعل ذلك تواضعاً فهو المتكبر
    ومن رأى أن مرتبته أحط من ذلك وأن جلوسه في آخر المجلس فوق ما يستحق لكونه لا يرى لنفسه قدراً ولا رتبة فهو المتواضع
    ص 161
    ( 240 )
    التواضع الحقيقي هو ما كان ناشئاً عن شهود عظمته وتجلي صفته
    يعني أن التواضع الحقيقي الذي لا يبقى معه شائبة كبر هو ما كان ناشئاً عن شهود عظمته تعالى وتجلي صفته على العبد . كما قال في عوارف المعارف : لا يبلغ العبد حقيقة التواضع إلا عند لمعان نور المشاهدة في قلبه فعند ذلك تذوب النفس وعند ذوبانها صفاؤها من غش الكبر والعجب فتلين وتنطبع للحق وللخلق بمحو آثارها وسكون وهجها وغليانها
    ثم علل ذلك بقوله :
    ( 241 )
    لا يخرجك عن الوصف إلا شهود الوصف
    أي لا يخرجك عن وصفك النفساني إلا شهود الوصف الرباني فإذا لم تشهد عظمته وكبريائه وجلاله فلا تتوهم أن لك نصيباً من التواضع الحقيقي فقف عند حدك واعرف قدر نفسك ولا تدّع أحوال الرجال قبل أن تظفر بالنوال . وهذا وإن كان مرتباً على ما قبله لكنه أعم منه . فلا يخرجك عن شهود القدرة والقوة من نفسك إلا شهود قدرة الله تعالى وقوته ولا يخرجك عن شهود الغنى لك إلا شهود غناه ولا يخرجك عن شهود العزة لنفسك إلا شهود عزته . فتبقى بربك في الكل لا بنفسك . فتدبر ذلك وجد في مرضاة مولاك قبل حلول رمسك
    ( 242 )
    المؤمن يشغله الثناء على الله عن أن يكون لنفسه شاكراً وتشغله حقوق الله عن أن يكون لحظوظه ذاكراً
    يعني أن المؤمن الحقيقي ذاهب عن نفسه فلا يرى لها عملاً صالحاً
    حقيقة المحبة . . ص 162
    وإنما يشاهد الأفعال من الله تعالى فإذا صلى أو صام أو فعل شيئاً من الطاعات شغله الثناء على الله الذي أوجد ذلك فيه ووفقه له عن أن يكون لنفسه شاكراً لعدم رؤيته لنفسه . كما تشغله حقوق الله - أي مراعاتها - بأن يعبده لذاته عن أن يكون لحظوظه من طمع في جنة أو خوف من نار ذاكراً . كما وضح ذلك بقوله :
    ( 243 )
    ليس المحب الذي يرجو من محبوبه عوضاً أو يطلب منه غرضاً . فإن المحب من يبذل لك ليس المحب من تبذل له
    يعني ليس المحب الحقيقي هو الذي يرجو من محبوبه عوضاً على أعماله كدخول الجنة أو النجاة من النار أو يطلب منه غرضاً من الأغراض الدنيوية أو الأخروية . فإن المحب الحقيقي من يبذل لك - بفتح التحتية وضم المعجمة بينهما موحدة - أي يعطيك . كما قال القائل :
    إن المحب إذا أحب حبيبه تلقاه يبذل فيه ما لا يبذل
    ولابن الفارض :
    ما لي سوى روحي وباذل نفسه في حب من يهواه ليس بمسرف
    فلئن رضيت بها لقد أسعفتني يا خيبة المسعى إذا لم تسعف
    وقال أبو عبد الله القرشي :

    عبدالله محمد
    نائب المدير والاداره
    نائب المدير والاداره

    عدد المساهمات : 171
    تاريخ التسجيل : 13/10/2008
    العمر : 48
    الموقع : بحر الشمال جزيرة ارهوس

    رد: كتاب شرح الحكم العطائية سيدي بن عطاء الله السكندري

    مُساهمة من طرف عبدالله محمد في الخميس أكتوبر 16, 2008 2:34 pm

    حقيقة المحبة أن تهب كلك لمن أحببته حتى لا يبقى لك منك شيء . وما ألطف قول بعضهم :
    جوهرة الأكوان . . ص 163
    لئن بقيت في العين مني قطرة فإني إذاً في العاشقين ذليل
    وقوله : ( ليس المحب ) أي الحقيقي ( من تبذل له ) لأن المحبة الحقيقية أخذ خصال المحبوب لحبة قلب المحب فلا يكون عنده التفات لغير محبوبه . فمن عبده تعالى لجنته فليس محباً له بل للجنة . كما قال بعضهم :
    وما أنا بالباغي عن الحب رشوة ضعيف هوى يرجو عليه ثواباً
    ( 244 )
    لولا ميادين النفوس ما تحقق سير السائرين إذ لا مسافة بينك وبينه حتى تطويها رحلتك ولا قطعة بينك وبينه حتى تمحوها وصلتك
    يعني لولا شهوات النفوس ومألوفاتها التي تخوض فيها وتتعشقها كما تخوض الفرسان في الميادين الواسعة التي تجول فيها الخيل ما تحقق سير السائرين أي ما تصور سير من أي مريد . فإن الله تعالى أقرب إليه من حبل الوريد ولو تطهرت النفوس لعلمت أنها في حضرة القدوس . فالسير إلى الله إنما هو قطع عقبات نفسك . فإن البعد منسوب إليك لا إلى ربك إذ لا مسافة حسية بينك وبينه تقطعها رحلتك لأنها لا تكون إلا بين متماثلين . ولا قطعة بضم القاف أي لا مقاطعة توجب البعد المعنوي بينك وبينه حتى تمحوها وصلتك لأن ذلك لا يكون إلا بين متعاديين وأين أنت من معاداة ربك . فليس ثم حجاب يمنع وصولك غير نفسك ولا يزول ذلك الحجاب إلا بإماتتها وتطهيرها من كل ما يغضب رب الأرباب ولا يكون ذلك في الغالب إلا بتسليمها لشيخ عارف بما لها من الأحوال فإنك تصل بالانقياد إليه إلى أعلى مراتب الكمال
    ( 245 )
    جعلك في العالم المتوسط بين ملكه وملكوته ليعلمك جلالة قدرك بين مخلوقاته وأنك جوهرة تنطوي عليك أصداف مكوناته
    أي جعلك أيها الإنسان عالماً متوسطاً بين ملكه - بضم الميم - وهو عالم
    ص 164
    الشهادة وملكوته وهو عالم الغيب . ولم يجعلك ملكياً محضاً ولا ملكوتياً محضاً بل جعل فيك من عالم الملك جسمك ومن عالم الملكوت روحك وسرك ليعلمك جلالة قدرك بين مخلوقاته حيث جمعت بين الظاهر والباطن وبين الجسمانيات والروحانيات ففيك انطوى العالم الأكبر . ومتى تدبرت ذلك علمت أنك جوهرة نفيسة تنطوي أي تحتوي عليك للخدمة والحفظ مكوناته التي هل لك كالأصداف المحيطة بالجوهرة . فإن الله تعالى سخر لك جميع مخلوقاته لنفعك كما قال تعالى : { وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ } ( 13 ) الجاثية فينبغي لك أن ترفع همتك عن الأكوان وتشتغل بعبادة الكريم المنان فإنه يقبح منك أن تخدم الخدم وتترك عبادة مولي النعم
    وفي بعض الكتب المنزلة : يا ابن آدم خلقت الأشياء كلها من أجلك وخلقتك من أجلي فلا تشتغل بما هو لك عمن أنت له . وقد بين العلامة الشرقاوي انطواء العوالم في الإنسان بقوله : ففيه من صفات الملائكة العقل والمعرفة والعبادة . ومن صفات الشيطان الإغواء والتمرد والطغيان . ومن صفات الحيوانات أنه في حالة الغضب يكون أسداً وفي حالة غلبة الشهوة يكون خنزيراً لا يبالي أين يلقي نفسه في حالة الحرص على الدنيا والشره يكون كلباً وفي حالة الاحتيال والخداع يكون ذئباً . ومن صفات النبات والأشجار أنه يكون في مبدئه غصناً طرياً مترعرعاً وفي آخره يابساً أسود . ومن صفات السماء أنه محل الأسرار والأنوار ومجمع الملائكة . ومن صفات الأرض أنه محل لبنات الأخلاق والطباع ومنه اللين والخشن . ومن صفات العرش أن قلبه محل التجلي . واللوح أنه خزانة العلوم . والقلم أنه ضابط لها . والجنة إنه إذا حسنت أخلاقه تنعم به جليسه . والنار أنه إذا قبحت أخلاقه احترق به جليسه
    ص 165
    ( 246 )
    إنما وسعك الكون من حيث جثمانيتك ولم يسعك من حيث ثبوت روحانيتك
    يعني أنك مناسب للكون - أي العالم السفلي وهو الأرض - من حيث جثمانيتك - بضم الجيم وسكون المثلثة - أي جسمك فقط فلذا وسعك لأن جسمك بعض الكون وله فيه مصالح
    وأما روحك فلا تصلح أن تتعلق بالكون لعدم وجود مصالحها فيه وإنما تصلح للتعلق بمكون الأكوان فلذا لم يسعك الكون من حيث ثبوت روحانيتك . فينبغي السعي في تكمينها بإخراجها عن مألوفات بشريتك حتى تصلح للتعلق برب البرية فترقى بمعراج كمالاتها إلى الحضرة القدسية
    فنظرك إلى الأكوان يحطك إلى أسفل سافلين ونظرك إلى المكون يرفعك إلى أعلى عليين . فاختر لنفسك ما يحلو
    ( 247 )
    الكائن في الكون ولم تفتح له ميادين الغيوب مسجون بمحياطاته ومحصور في هيكل ذاته
    يعني أن من وجد في الدنيا ولم تفتح له خزائن العلوم والمعارف الغيبية الشبيهة بالميادين حتى يستنير بها قلبه ويشاهد أسرار رب العالمين فهو مسجون بمحيطاته - أي بشهواته المحيطة به - ومحصور في هيكل ذاته - أي في هيكل هو ذاته النفسانية - والمراد شهواتها . فهو مرادف لما قبله
    وأما من طهر نفسه من الشهوات وتخلص من سجن الرعونات فقد وصل إلى أعلى درجات السعادة وفتحت له ميادين الغيوب من عالم الغيب والشهادة
    وفي بعض الآثار المروية عن الله تعالى : عبدي اجعلني مكان همك
    شهود المكون . . ص 166
    أكفك كل هم ما كنت بك فأنت في محل البعد وما كنت بي فأنت في محل القرب فاختر لنفسك
    ( 248 )
    أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون فإذا شهدته كانت الأكوان معك
    يعني أنك تكون مع الأكوان وعبداً لها ما لم تشهد المكون سبحانه فيها وقائماً عليها ومدبراً لها فإذا شهدته وعرفته حق معرفته كانت الأكوان معك ومسخرة لك ومتبركة بك حتى الحيوانات والجمادات . وهذا حال علي الهمة والإرادة كما قال الشبلي : ليس يخطر الكون ببال من عرف المكون . وقال بعضهم أنا أدخل السوق والأشياء تشتاق إلي وأنا عن جميعها حر وقال بعضهم : أشرفتُ على إبراهيم بن أدهم وهو في بستان يحفظه وقد أخذه النوم وإذا حية في فيها طاقة نرجس تروحه بها . وقال بعضهم كنت مع إبراهيم الخواص فإذا عقرب تسعى على فخده فقمت لأقتلها فمنعني وقال : دعها كل شيء مفتقر إلينا ولسنا مفتقرين إلى شيء
    وكان بعض الأولياء يقول للسماء : أمطري . فتمطر
    وكان بعضهم يتعبد في الجبل فإذا أراد الذهاب إلى بيته يأتي إليه السبع خاضعاً فيركبه
    ص 167
    ( 249 )
    لا يلزم من ثبوت الخصوصية عدم وصف البشرية إنما مثل الخصوصية كإشراق شمس النهار ظهرت في الأفق وليست منه . تارة تشرق شموس أوصافه على ليل وجودك وتارة يقبض ذلك عنك فيردك إلى حدودك . فالنهار ليس منك وإليك ولكنه وارد عليك
    يعني لا يلزم من ثبوت الخصوصية لأحد الخواص بإيصال الأوصاف العلية إليه وإظهار النعوت القدسية عليه فيتصرف في المكونات وتظهر على يده الكرامات عدم وصف البشرية بالكلية فإن الأوصاف البشرية من العجز والجهل والفقر للعبد من الأمور الذاتية . خلافاً لمن قال : إن الوصول إلى الله لا يكون إلا بذم أوصاف البشرية وزوالها بالكلية والاتصاف بصفات الربوبية فإن في ذلك من قلب الحقائق ما لا يخفى على من له أدنى روية . ولذا ضرب هنا لذلك مثلاً بقوله : إنما مثل الخصوصية كإشراق شمس النهار ظهرت في الأفق أي نواحي السماء وليست منه - أي الأفق - فالنور ليس ذاتياً له وإنما عرض لإزالة الظلمة . فكذلك الأوصاف القدسية ليست ذاتية للعبد وإنما هي عارضة على ظلمة أوصاف بشريته الذاتية لأنه تارة تشرق أوصافه تعالى التي هي
    دلائل الأسماء والصفات . . ص 168
    كالشموس على وجودك الشبيه بالليل المظلم لما فيه من الأوصاف الدنيئة فتغلب عليها وتظهر خصوصيتك فتكون غنياً بالله بعد أن كنت فقيراً وقادراً بالله بعد أن كنت عاجزاً وعالماً به بعد أن كنت جاهلاً إلى غير ذلك
    وتارة يقبض ذلك عنك فيردك إلى حدودك من الفقر والعجز والجهل فلا تظهر خصوصيتك
    فالنهار الذي هو الخصوصيات التي ظهرت عليك ليس منك وإليك - أي ليس من أوصافك الذاتية - ولكنه وارد عليك من إشراق شموس أوصافه القدسية
    ثم اعلم أن القبض المذكور ليس سلباً بل هو تنبيه للقاصرين على أن الأمر كله لله ليس لهم منه شيء . ولذا ترى بعض الأولياء في بعض الأحيان عنده قوة بطش وفي بعضها يكون عاجزاً
    وهذا لا يعارض قوله السابق : ولم تأفل أنوار القلوب والسرائر لأن ما تقدم شمس المعارف وهي لم تأفل . وما هنا ظهور الخصوصية بتبديل صفات البشرية من الفقر وما معه فإنها تارة تتبدل وتارة لا ليعطي الكامل في العبودية كل وقت حقه
    ( 250 )
    دل بوجود آثاره على وجود أسمائه وبوجود أسمائه على ثبوت أوصافه وبثبوت أوصافه على وجود ذاته إذا محال أن يقوم الوصف بنفسه . فأرباب الجذب يكشف لهم عن كمال ذاته ثم يردهم إلى شهود صفاته ثم يرجعه إلى التعلق بأسمائه ثم يردهم إلى شهود آثاره . والسالكون على عكس هذا فنهاية السالكين بداية المجذوبين وبداية السالكين نهاية المجذوبين . لكن لا بمعنى واحد فربما التقيا في الطريق هذا في ترقيه وهذا في تدليه

    عبدالله محمد
    نائب المدير والاداره
    نائب المدير والاداره

    عدد المساهمات : 171
    تاريخ التسجيل : 13/10/2008
    العمر : 48
    الموقع : بحر الشمال جزيرة ارهوس

    رد: كتاب شرح الحكم العطائية سيدي بن عطاء الله السكندري

    مُساهمة من طرف عبدالله محمد في الخميس أكتوبر 16, 2008 2:38 pm

    ص 169
    يعني أنه سبحانه دل بوجود آثاره - أي مصنوعاته - على وجود أسمائه إذ لا يصدر هذا الصنع القويم إلا من قادر مريد عليم . وبوجود أسمائه على ثبوت أوصافه من القدرة والإرادة والعلم وبثبوت أوصافه على وجود ذاته . وعلل ذلك بقوله : إذ محال أن يقوم الوصف بنفسه لأن المعنى لا يقوم بالمعنى
    ثم إن عباد الله المختصين بالقرب منه والوصول إليه قسمان : أرباب جذب وأرباب سلوك فأرباب الجذب الذين اختطفتهم يد العناية يكشف لهم أولاً عن كمال ذاته - أي عن ذاته الكاملة - بأن يزيد في قوة معرفتهم حتى يروا ذاته المقدسة بعين بصيرتهم ثم يردهم إلى شهود صفاته فيشاهدون بنور المعرفة ارتباطها بالذات ثم يرجعهم إلى التعلق بأسمائه بأن يشاهدوا بالذوق تعلقها بالآثار ثم يردهم إلى شهود آثاره - أي صدورها عن الأسماء - وهؤلاء هم الذين يستدلون بالمؤثر على الأثر ويقولون ما رأينا شيئاً إلا ورأينا الله قبله
    وأما السالكون فهم على عكس هذا لأنهم يستدلون بالأثر على المؤثر فأول ما يظهر لهم الآثار فيستدلون بها على الأسماء وبها على الصفات وبها على كمال الذات وهم الذين يقولون ما رأينا شيئاً إلا ورأينا الله بعده . فنهاية السالكين من شهود الذات المقدسة بداية المجذوبين وبداية السالكين من التعلق بالآثار نهاية المجذوبين . لكن لا بمعنى واحد : فإن مراد السالكين شهود الأشياء لله ومراد المجذوبين شهود الأشياء بالله فالسالكون على تحقيق الفناء والمحو والمجذوبون مسلوك بهم طريق البقاء والصحو فربما التقيا في الطريق - أي في منزل من المنازل - كشهود الصفات
    هذا أي السالك في ترقيه من الخلق إلى الحق وهذا أي المجذوب في تدليه من الحق إلى الخلق
    ( 251 )
    لا يعلم قدر أنوار القلوب والأسرار إلا في غيب الملكوت كما لا تظهر أنوار السماء إلا في شهادة الملك
    أي لا يعرف قدر أنوار والأسرار التي أشرقت على القلوب من سماء
    ص 170
    التوحيد والمعرفة إلا في غيب الملكوت - وهو عالم الآخرة - . فمن كان قوي الإيمان كان له هنالك أعظم منازل الامتنان ومن كان إيمانه بالغيب أكمل كان نوره وما يترتب عليه أتم وأشمل . كما أن أنوار السماء - وهي أن أنوار الكواكب - لا تظهر إلا في شهادة الملك - أي الملك المشاهد وهو عالم الدنيا - لحصول المناسبة بين هذه الأشياء فإن نور الإيمان ليس له أفول فيناسبه الدار الباقية وأنوار الكواكب تأفل فيناسبها الدار الفانية
    ( 252 )
    وجدان ثمرات الطاعات عاجلاً بشائر العاملين بوجود الجزاء عليها آجلاً
    يعني أن ما يجده العاملون من ثمرات الطاعات كزيادة إشراق أنوار اليقين في قلوبهم والتلذذ بها عند مناجاة ربهم بشائر لهم بقبولها ووجود الجزاء عليها في الدار الآخرة وإن لم يقصدوه بطاعتهم فإن الأكمل عدم قصد ذلك كما قال المصنف :
    ( 253 )
    كيف تطلب العوض على عمل هو متصدق به عليك ؟ أم كيف تطلب الجزاء على صدق هو مهديه إليك ؟
    يعني أن طلبك العوض على عمل هو في الحقيقة له تعالى لقوله سبحانه : { وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } ( 96 ) الصافات مما يتعجب منه لأنه سبحانه متصدق به عليك
    فيمن تسبق أنوارهم أذكارهم . . ص 171
    وكذلك طلب الجزاء على الصدق - أي الإخلاص فيه - مما يتعجب منه لأنه مهديه إليك
    وإنما عبر في الأعمال بالصدقة وفي الصدق الذي عليه مدار قبول الأعمال بالهدية إشارة إلى تباينهما في الشرف كتباين الصدقة والهدية
    ( 254 )
    قوم تسبق أنوارهم أذكارهم وقوم تسبق أذكارهم أنوارهم
    يعني أن الواصلين إلى الله تعالى على قسمين : قوم تسبق أنوارهم أذكارهم وهم المجذوبون المرادون الذين لم يتكلفوا شيئاً بل واجهتهم الأنوار فحصلت منهم الأذكار
    وإذا حلت الهداية قلباً نشطت للعبادة الأعضاء
    وقوم تسبق أذكارهم أنوارهم وهم المريدون السالكون فمتى اجتهدوا في الأذكار حصلت لهم الأنوار واهتدوا لمرضاة العزيز الغفار . قال تعالى :
    ص 172
    {
    وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا } ( 69 ) العنكبوت . ثم بين حال الفريقين بعبارة أخرى فقال :
    ( 255 )
    ذاكر ذكر ليستنير قلبه وذاكر استنار قلبه فكان ذاكراً
    الأول راجع للفريق الثاني وهم السالكون والثاني راجع للفريق الأول وهم المجذوبون وكل على نور
    ( 256 )
    ما كان ظاهر ذكر إلا عن باطن شهود وفكر
    يعني أن الذكر الظاهر - والمراد به الأعمال الظاهرة جميعها - لا تكون إلا عن باطن شهود الحق جل شأنه والتفكر في آثار قدرته فإن صلاح الظاهر تابع لصلاح الباطن . وإنما خص الذكر بالذكر من بين سائر الأعمال لأنه روحها والمقصود بالذات منها قال تعالى : { وَأَقِمْ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي } ( 14 ) طه . ثم وضح هذا المعنى بقوله
    ( 257 )
    أشهدك من قبل أن يستشهدك فنطقت بإلهيته الظواهر وتحققت بأحديته القلوب والسرائر
    أي أطلعك سبحانه على وحدانيته بتجلي أنوار المعارف على قلبك حتى شاهدت ذلك على حسب قدرك من قبل أن يستشهدك - أي يطلب منك أن تشهد بعظمته وجلاله بذكرك وعبادتك - فإن الذكر والعبادة شهادة منك بعظمة المذكور والمعبود فنطقت بألوهيته - أي ما يدل عليها - الظواهر - أي الجوارح - بأن أتت بالأعمال التي تكاد تنطق بعظمة ذي الجلال وهذا راجع للاستشهاد
    ص 173
    وقوله : وتحققت بأحديته القلوب والسرائر راجع للإشهاد
    ( 258 )
    أكرمك بكرامات ثلاث : جعلك ذاكراً له ولولا فضله لم تكن أهلاً لجريان ذكره عليك . وجعلك مذكوراً به إذ حقق نسبته لديك . وجعلك مذكوراً عنده فتمم نعمته عليك
    يعني أن الله تعالى أكرمك أيها المؤمن بثلاث كرامات جمع لك فيهن أنواع الفضائل والمبرات . الأولى : جعلك ذاكراً له بلسانك وقلبك ووجه حلاوة ذلك إليك ولولا فضله لم تكن أهلاً لجريان ذكره عليك
    والثانية : جعلك مذكوراً به عند الناس بأن يقال : هذا ولي الله وذاكره إذ حقق نسبته - أي خصوصيته - لديك وهي ما أظهره من أنوار الذكر والطاعة عليك
    والثالثة : جعلك مذكوراً عنده فتمم نعمته عليك بمزيد الإكرام ومنتهى الفضل والإنعام
    وفي الحديث القدسي : " من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه "
    وقال صلى الله عليه وسلم : " ما جلس قوم يذكرون الله تعالى إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده " آه . والعندية هنا عندية مكانة - أي شرف - لا مكان تعالى الله عن ذلك
    بركة العمر . . ص 174

    ( 259 ) رب عمر اتسعت آماده وقلت أمداده . ورب عمر قليلة آماده كثيرة أمداده
    أي رب عمر لشخص اتسعت آماده - بالمد جمع أمد كسبب وأسباب - أي اتسع زمنه حتى طال وقلت أمداده - بفتح الهمز جمع مدد - أي فوائده بأن كان الشخص من الغافلين

    ورب عمر لشخص آخر قليلة آماده كثيرة أمداده بأن كان من الذاكرين . كما وضح ذلك بقوله
    :
    ( 260 ) من بورك له في عمره أدرك في يسير من الزمن من منن الله تعالى ما لا يدخل تحت دوائر العبارة ولا تلحقه الإشارة

    يعني أن من بورك له في عمره بأن رزق من الفطنة واليقظة ما يحمله على اغتنام الأوقات وانتهاز فرصة الإمكان خشية الفوات فبادر إلى الأعمال القلبية والبدنية واستفرغ في ذلك مجهوده بالكلية أدرك في يسير من الزمن من المنن الإلهية والمعارف الربانية ما لا يدخل تحت دوائر العبارة لقصورها عن الإحاطة به ولا تلحقه الإشارة إليه لعلوه في مقامه ومنصبه فيرتفع له في كل ليلة من لياليه من الأعمال الصالحة ما لا يرتفع لغيره في ألف شهر فتكون لياليه كلها بمنزلة ليلة القدر . كما قال أبو العباس المرسي : أوقاتنا والحمد لله كلها ليلة


    عبدالله محمد
    نائب المدير والاداره
    نائب المدير والاداره

    عدد المساهمات : 171
    تاريخ التسجيل : 13/10/2008
    العمر : 48
    الموقع : بحر الشمال جزيرة ارهوس

    رد: كتاب شرح الحكم العطائية سيدي بن عطاء الله السكندري

    مُساهمة من طرف عبدالله محمد في الخميس أكتوبر 16, 2008 2:40 pm

    ص 175
    القدر . فالعبرة بالبركة بالعمر لا بطوله . وعلى هذا يحمل حديث : " البر يزيد في العمر " فإن المراد البركة فيه بحيث يفعل فيه من الخيرات ما لا يفعله غيره في الأزمنة الطويلة الخالية من البركات
    ( 261 )
    الخذلان كل الخذلان أن تتفرغ من الشواغل ثم لا تتوجه إليه وتقل عوائقك ثم لا ترحل إليه
    يعني أن الخذلان التام المؤكد أن تتفرغ من الشواغل بأن كان عندك ما يكفيك من الدنيا الدنية ثم لا تتوجه إليه بالاشتغال بما يقربك إلى حضرته القدسية
    وتقل عوائقك التي تنقلك عن الإقبال عليه ثم لا ترحل بكامل توجهاتك إليه
    قال الإمام القشيري : فراغ القلب من الأشغال نعمة عظيمة فإذا كفر عبد هذه النعمة بأن فتح على نفسه باب الهوى وانجر في قياد الشهوات شوش الله عليه نعمة قلبه وسلبه ما كان يجد من صفاء لبه
    ص 176
    ( 262 )
    الفكرة سير القلب في ميادين الأغيار
    يعني أن الفكرة المأمورين بها إنما هي سير القب - أي جولانه - في مشاهدة الأغيار - أي المخلوقات الشبيهة بالميادين في الاتساع - قال تعالى : { قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } ( 101 ) يونس . ونحو ذلك من الآيات الدالة على التفكر والنظر في عجائب المخلوقات . وأما التفكر في ذات الله فإنه منهي عنه لأنه لا تحيط به الفكرة
    فإذا تفكر العبد في وجود المخلوقات هداه ذلك إلى وجود موجدهم وهذا تفكر العامة . وإذا تفكر في الدنيا وقلة وفائها للطالبين ازداد تباعداً عنها وهذا تفكر الزاهدين . وإذا تفكر في الحسنات وما يترتب عليها فعلها وازداد رغبة فيها أو في السيآت وهو ما يترتب عليها تركها ظاهرها وخافيها وهذا تفكر العابدين التجار . وإذا تفكر في توارد النعم ازداد محبة في المنعم بها وهذا تفكر العارفين الأحرار
    التصديق والإيمان والشهود والعيان . . ص 177
    ( 263 ) الفكرة سراج القلب فإذا ذهبت فلا إضاءة له
    يعني أن الفكرة بمنزلة السراج للقلب يستضيء بها لأن بها تنجلي حقائق الأمور فيظهر الحق من الباطل وتعرف آفات النفس بالتفكر في معائبها ومكائدها وتعلم مكائد العدو وغرور الدنيا ونحو ذلك . فإذا ذهبت الفكرة منه فلا إضاءة له فيكون كالبيت المظلم والعياذ بالله

    ( 264 ) الفكرة فكرتان : فكرة تصديق وإيمان وفكرة شهود وعيان . فالأولى لأرباب الاعتبار والثانية لأرباب الشهود والاستبصار

    يعني أن الفكرة التي هي السير في ميادين الأغيار فكرتان : إحداهما أرفع من الأخرى لأنها تختلق باختلاف السالكين والمجذوبين ففكرة السالكين : فكرة تصديق وإيمان - أي فكرة ناشئة عن أصل التصديق الذي هو الإيمان - والقصد بها الزيادة فيه بالاستدلال بالأثر على المؤثر . وأما فكرة المجذوبين : ففكرة شهود وعيان - أي فكرة ناشئة عن المشاهدة والمعاينة بعين البصيرة - فيستدلون بالمؤثر على الأثر . فالأولى لأرباب الاعتبار - أي المستدلين بالآثار - وهم السالكون . والثانية لأرباب الشهود والاستبصار - أي المستدلين بالمؤثر على الأثر - وهم المجذوبون

    واعلم أن المجذوب سلك الطريق مسرعاً إلى الله واطلع على المقامات التي كابد مشقتها من سواه خلافاً لمن قال : إن السالك أتم من المجذوب لأن السالك عرف الطريق والمجذوب ليس كذلك

    لأن المجذوب طويت له الطريق ولم تطو عنه فهو كمن طوبت له الطريق إلى مكة . والسالك كمن سار إليها على أكوار المطايا . كذا حققه بعض العارفين والله تعالى يجعلنا من الواصلين . وهذا آخر الحكم وما بعده مكاتبات لبعض إخوانه ومناجاة لمن والاه بمزيد النعم

    انتهى ولله الحمد مساء الأحد 24 / 9 / 1403 ه 5 / 6 / 1983 م
    المراسلات
    من مكاتباته لبعض إخوانه
    ( 1 ) فمما كتبه رضي الله عنه لبعض إخوانه وأجاد ووفى فيه من بيان حال السالك وآداب السلوك بالمراد قوله :
    ( أما بعد فإن البدايات ) أي بدايات السلوك ( مجلات النهايات ) - بفتح الميم والجيم وتشديد اللام جمع مجلة - كذلك أي محل التجلي والظهور كالمرآة والمجالي والمظاهر التي تنجلي فيها الأمور فينجلي أمر نهاية السالك في ابتداء سلوكه وقد بين ذلك بقوله : ( وإن من كانت بالله بدايته كانت إليه نهايته ) . فمن كان في بدايته منقطعاً عن الأغيار متوجهاً بكليته إلى خدمة العزيز الغفار انتهى إلى أمر عظيم وفتح جسيم ومن كان ضعيف البداية فهو ضعيف النهاية

    ( والمشتَغَل به أيها المريد الصادق هو الذي أحببته وسارعت إليه
    )
    من الأعمال الصالحة التي تقربك إلى مولاك وتوصلك إلى حظيرة القدس التي تبلغ فيها مناك . فكن قرير العين بما سارعت إليه ولا تحتقر ما اشتغلت به من الطاعات فإنه هو الذي يقربك لديه

    ( والمشتغل عنه هو المؤثر عليه
    )
    أي أن الأمر الذي ينبغي أن تشتغل عنه ولا تلتفت إليه هو المؤثر - بفتح المثلثة - أي المقدم غيره عليه فإذا اشتغلت عن حظوظك الدنيوية ولم تحتفل بها بالكلية فقد آثرت أي قدمت خدمة ربك عليها فطب نفساً بما وفقت له منها فالمقصود من هذا الكلام تهييج السالك وإنهاض همته بمدح ما أقبل

    تسلية المريد عما يفوته من الدنيا .

    عبدالله محمد
    نائب المدير والاداره
    نائب المدير والاداره

    عدد المساهمات : 171
    تاريخ التسجيل : 13/10/2008
    العمر : 48
    الموقع : بحر الشمال جزيرة ارهوس

    رد: كتاب شرح الحكم العطائية سيدي بن عطاء الله السكندري

    مُساهمة من طرف عبدالله محمد في الخميس أكتوبر 16, 2008 2:41 pm

    ص 180
    عليه وذم ما أعرض عنه ليحسن عنده عدم الالتفات إليه . ومن دعاء بعض العارفين لبعض السالكين : عرفك الله قدر ما تطلب حتى يهون عليك ما تترك . ( وإن من أيقن أن الله يطلبه ) بالقيام بوظائف العبودية ( صدق الطلب إليه ) أي صدق في الطلب بأن يتوجه إلى ما طلبه منه مولاه بصدق النية ( ومن علم أن الأمور بيد الله ) أي قدرته ومنها سعيه واجتهاده في الطاعة ( انجمع بالتوكل عليه ) أي انجمع عليه قلبه بالتوكل عليه سبحانه في تيسير أموره فقوله ( عليه ) تنازع فيه كل من الفعل والمصدر وهذا قيام بحق الحقيقة كما أن قوله ( صدق الطلب ) وفاء بحق الشريعة ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : " اعقلها وتوكل " . ( وإنه لا بد لبناء هذا الوجود أن تنهدم دعائمه وأن تسلب كرائمه ) . هذه الجملة معطوفة على إن البدايات فهي - بكسر الهمزة - وقصده بها تسلية المريد عما يفوته في حال سلوكه من زهرات الدنيا الفانية فإنه إذا علم أن هذا الوجود الذي هو دار الدنيا الشبيه بالقصر المبني لا بد أن تنهدم دعائمه أي أركانه وأن تسلب كرائمه أي نفائسه طيّب نفسه بتركه وعدم النظر إليه واجتهد فيما يقربه في الدار التي لا فناء لها ويعود نفعه عليه
    ( 256 )
    ما كان ظاهر ذكر إلا عن باطن شهود وفكر
    (
    فالعاقل من كان بما هو أبقى أفرح منه بما هو يفنى قد أشرق نوره وظهرت تباشيره )
    يعني أن العاقل هو الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة وإذا تحقق بهذا
    ص 181
    المقام فقد أشرق نوره في قلبه وظهرت تباشيره المبشرة له بالقبول على وجهه
    (
    فصدف ) - بالدال المهملة والفاء - أي أعرض ( عن هذه الدار مغضياً ) - بالغين والضاد المعجمتين بعدهما تحتيه - أي غاضاً بصره عنها ولم ينظر إليها لقذارتها ( وأعرض عنها مولياً ) فلم يلتفت إليها بقلبه ( فلم يتخذها وطناً ) بظاهره على سبيل التمتع بها ( ولا جعلها سكناً ) ببطانة على جهة المحبة لها ( بل أنهض الهمة فيها إلى الله تعالى وسار فيها مستعيناً به تعالى لا بأعماله في القدوم عليه وهذا ابتداء سفره بقلبه إلى الحضرة العلية وقطع عقبات النفس مستعيناً به تعالى لا بأعماله في القدوم عليه والصول إلى حضرته القدسية فقد قيل :
    إذا لم يعنك الله فيما تريده فليس لمخلوق إليه سبيل
    وإن هو لم يرشدك في كل مسلك ضللت ولو أن السماء دليل
    فمن اعتمد على عمله انقطع عن الوصول ومن اعتمد على فضل مولاه بلغه المأمول فما زالت مطية عزمه ) أي عزمه الشبيه بالمطية ( لا يقر قرارها دائماً تسيارها ) أي سيرها إلى الله فلا تستقر في محل يعوقها عنه من المقامات السنية والمكاشفات البهية ( إلى أن أناخت ) أي استقرت ( بحضرة القدس ) أي التطهير والتنزيه وهي حضرة الرب سبحانه وتعالى ( وبساط الأنس ) أي المؤانسة لكل واصل وقد وصف تلك الحضرة بقوله : ( محل المفاتحة والمواجهة والمجالسة والمحادثة والمشاهدة والمطالعة ) . قال بعض المحققين : المراد بالمفاتحة نداء الحق بمعاني أسمائه وصفاته والمواجهة إقبال الرب على العبد والمجالسة ملازمة ذكر الله تعالى : " أنا جليس من ذكرني " والمحادثة أن يتكلم في سره
    أحوال الصالحين وتقلباتهم في السلوك . . ص 182
    بالمعارف والأسرار المفاضة عليه من ربه . والمشاهدة كشف لا يصاحبه وهم . والمطالعة هي مطالعة معاني أوصافه على بساط أوصافك . آه . والتحقيق أن هذه الألفاظ الستة التي ذكرها المصنف لا تدرك إلا بالذوق وغاية ما يفهم منها أن الواصلين إلى تلك الحضرة نفاض عليهم المعارف الإلهية ويقابلون من لدن الكريم الجواد بالتحف السنية
    (
    فصارت الحضرة معشش قلوبهم إليها يأوون وفيها يسكنون )
    أي صارت الحضرة لقلوبهم بمنزلة العش للطير ففيه تشبيه حالهم بحال الطائر لأنهم إليها يأوون . وهاهنا حصل لهم التحقق بمقام الفناء والمحو وهو مقام الجمع الذي انتهى به سيرهم إلى الملك الحق ثم بعد ذلك يتحققون بمقام البقاء والصحو وهو مقام الفرق الذي يؤمرون فيه بمخالطة الخلق وهو المراد بقوله : ( فإذا نزلوا إلى سماء الحقوق ) أي حقوق الله الواجبة عليهم عند مخالطة الناس الشبيهة بالسماء بجامع صعوبة الارتقاء إلى كل ( أو أرض الحظوظ ) أي حظوظ أنفسهم التي يحصل لهم الارتفاق بها الشبيه بالأرض بجامع سهولة الاستقرار على كل . ( فبالإذن والتمكين والرسوخ في اليقين فلم ينزلوا إلى الحقوق بسوء الأدب والغفلة ولا إلى الخطوط بالشهوة والمتعة بل
    ص 183
    دخلوا في ذلك بالله ولله ومن الله وإلى الله ) أي فيكون نزولهم بالإذن من الله لهم في النزول لإرشاد الخلق بما يشرق في قلوبهم من النور الذي يجعله علماً على ذلك والتمكين أي التمكن في مقام البقاء حتى تحصل لهم القوة على مخالطة الناس وتحمل أذاهم ولم يكن ذلك إلا بعد رسوخهم في اليقين بالله تعالى فلم ينزلوا إلى الحقوق بسوء الأدب والغفلة عن الله بل نزلوا إليها بالأدب التام مع الخلق واليقظة الكاملة بمشاهدة الحق فإنهم يرون الله في كل مشهود فإذا آذاهم شخص تحملوه لله الذي أوجده ورأوا أن الذي سلطه عليهم مولاهم لذنب فعلوه لا يليق بهم وإذا أكرمهم شخص شكروه مع ملاحظة أن الذي حرك قلبه للإكرام مولاهم ولم ينزلوا إلى الحظوظ بالشهوة النفسانية والمتعة - بضم الميم - أي التمتع بها كما هو مقصد أصحاب النفوس الدنية بل دخلوا في ذلك كله من الحقوق والحظوظ بالله مستعينين ولله ملاحظين ومن الله آخذين وإلى الله متوسلين فتدبر ذلك
    ( {
    وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ } ( 80 ) الإسراء ليكون نظري إلى حولك وقوتك إذا أدخلتني واستسلامي وانقيادي إليك إذا أخرجتني )
    قال ابن عباد : المُدْخَل والمُخْرَج الإدخال والإخراج وقد عبر بهاتين العبارتين السفرين المذكورين فالمدخل هو سفر الترقي لأنه دخول على الله تعالى في حالة فنائه عن رؤية غيره والمخرج هو سفر التدلي لأنه خروج إلى الخليقة لفائدتي الإرشاد والهداية في حال بقائه بربه وتحققه في هذين المقامين أعني مقام الفناء والبقاء هو معنى صدقية مدخله ومخرجه وإنما طلب هذا ليحصل له به ذهابه عن رؤية نفسه في النسبة والوقوف مع الحظ ففي المدخل يشاهد حول الله تعالى وقوته فينتفي عنه بذلك النسبة إلى نفسه وفي المخرج يستسلم لربه وينقاد إليه فينتفي عنه بذلك مراعاة حظه ثم قال :
    ص 184
    ( {
    وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا } ( 80 ) الإسراء ينصرني وينصر بي ولا ينصر علي ينصرني على شهود نفسي ويفنيني عن دائرة حسي )
    أي واجعل لي من عندك يا الله سلطاناً نصيراً أي مدداً إلهياً لا يصادمه شيء إلا دمغه ينصرني على أعدائي وينصر بي أحبابي الذين أقمتني لإرشادهم ولا ينصر على أحداً من النفس والهوى والشيطان فإن ذلك والعياذ بالله من علامات الخذلان . ثم خص النفس لكونها أعدى الأعداء بقوله ينصرني على شهود نفسي بأن لا أشاهد لها فعلاً من الأفعال ويفنيني عن دائرة حسي أي عما يدور به حسي من الأكوان حتى أصل بعدم التعلق بها إلى درجات الكمال
    درجات المعرفة بالله . . ص 185

    ومما كتبه رضي الله عنه لبعض إخوانه قوله :
    (
    إن كانت عين القلب تنظر إلى الله واحد في منته فالشريعة تقضي أنه لا بد من شكر خليقته )
    أي إن كانت البصيرة التي هي عين القلب تنظر إلى أن الله تعالى واحد في منته أي عطيته بمعنى أنه المعطي في الحقيقة لا غيره فلا يستحق الشكر سواه فالشريعة أمرتنا أن نشكر أيضاً من وصلت النعمة على يده لما في الحديث : " أشكر الناس لله أشكرهم للناس " فعليك أن تنظر إلى الجهتين وتشكر الله حقيقة والخلق مجازاً امتثالاً لأمر خالقك فتكون في الحالين مجازاً ثم بين أن الناس في حال ورود النعمة عليهم من أحد العبيد أقسام بقوله : ( وإن الناس في ذلك على ثلاثة أقسام : غافل منهمك في غفلته قويت دائرة حسه وانطمست حضرة قدسه فنظر الإحسان من المخلوقين ولم يشهده من رب

    عبدالله محمد
    نائب المدير والاداره
    نائب المدير والاداره

    عدد المساهمات : 171
    تاريخ التسجيل : 13/10/2008
    العمر : 48
    الموقع : بحر الشمال جزيرة ارهوس

    رد: كتاب شرح الحكم العطائية سيدي بن عطاء الله السكندري

    مُساهمة من طرف عبدالله محمد في الخميس أكتوبر 16, 2008 2:43 pm

    ص 186
    العالمين إما اعتقاداً فشركه جلي وإما استناداً فشركه خفي )
    يعني أن من قويت دائرة حسه من العامة لتعلقه بالأكوان وانطمست حضرة قدسه أي طهره والمراد عين بصيرته فأبعدته عن المكون عليّ الشان إذا اعتقد أن المؤثر والمعطي هو العبد فشركه ظاهر جلي يخرجه من ربقة الإيمان وإذا نسب ذلك إلى العبد استناداً فذلك شركه خفي لكونه أشرك مع الله غيره ففي إيمانه نقصان لقوله : لولا فلان تسبب لي في هذا الأمر ما وصل لي من الله والتوحيد الخالص أن يعتقد أن العبد مقهور وأن الموصل له إنما هو مولاه ثم أشار إلى القسم الثاني بقوله :
    (
    وصاحب الحقيقة غاب عن الخلق بشهود الملك الحق وفني عن الأسباب بشهود مسبب الأسباب فهو عبد مواجه بالحقيقة ظاهر عليه سناها سالك للطريقة قد استولى على مداها غير أنه غريق الأنوار مطموس الآثار قد غلب سكره على صحوه وجمعه على فرقه وفناؤه على بقائه وغيبته على حضوره )
    يعني أن صاحب الحقيقة غلب عليه سناها - بالقصر - أي ضياؤها وسلك طريقة القوم واستولى على مداها أي نهايتها لا ينظر الأسباب لشهوده مسبب الأسباب فهو من الخواص لكنه وإن كان كاملاً بالنسبة لأهل الغفلة ناقص بالنسبة لخواص الخواص الذين جمعوا بين الأمرين وهم أهل المعرفة ولذا قال المصنف : غير أنه غريق الأنوار أي غريق في بحار التوحيد مطموس الآثار أي مطموسة بصيرته عن النظر إلى الآثار والعبيد قد غلب سكره وهو عدم إحساسه بالآثار على صحوه وهو إحساسه بها وجمعه وهو رؤية الحق وحده على فرقه وهو رؤية الحق والخلق فهو في مقام الجمع لا في مقام الفرق وقد اتضح لك مما هنا ومما تقدم الفرق ومعاني باقي الألفاظ ترجع إلى هذا ثم أشار إلى القسم الثالث بقوله :
    (
    وأكمل منه عبد شرب فازداد صحواً وغاب فازداد حضوراً فلا جمعه يحجبه عن فرقه ولا فرقه يحجبه عن جمعه ولا فناؤه عن بقائه ولا بقاؤه
    ص 187
    يصده عن فنائه يعطي كل ذي قسط قسطه ويوفي كل ذي حق حقه
    وهذا حال خواص الخواص فإن من شرب من كؤوس التوحيد فازداد صحواً بعد سكره وغاب عن الخلق فازداد حضوراً معهم بربه قد شرب بالكأسين وجمع بين المزيتين فباطنه مكمل بالحقيقة وظاهره مجمل بالشريعة فيشكر الخلق والحق لا يغيب عن الحق في حال مخالطة الخلق ليعطي كل ذي قسط قسطه - بكسر القاف - أي : نصيبه وعطف ما بعده عليه للتفسير ومن أهل هذا المقام الصديق الأكبر بطريق الوراثة عن النبي الأطهر كما قال المصنف :
    (
    وقد قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه لعائشة رضي الله عنها لما نزلت براءتها من الإفك على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا عائشة اشكري رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : والله لا أشكر إلا الله دلها أبو بكر رضي الله عنه على المقام الأكمل مقام البقاء المقتضي لإثبات الآثار وقد قال الله تعالى : { أن اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ } ( 14 ) لقمان . وقال صلى الله عليه وسلم : " لا يشكر الله من لا يشكر الناس " . وكانت هي في
    ص 188
    ذلك الوقت مصطلمة عن شاهدها غائبة عن الآثار فلم تشهد إلا الواحد القهار )
    يعني أن أبا بكر الصديق كان في مقام الفرق الذي هو أعلى من مقام عائشة إذ ذاك فإنها كانت في مقام الجمع لأنها كانت مصطلمة أي فانية عن شاهدها وهو حكم بشريتها ويفسره قوله غائبة عن الآثار بل ترقت عنه إلى مقام القهار ولم يكن هذا الحال لازماً لها في جميع أوقاتها بل ترقت عنه إلى مقام الفرق كأبيها . والإفك : هو الكذب عليها وإن أردت تفصيل هذه القصة فعليك بشرحنا على مختصر الإمام ابن أبي جمرة وفيه أن الذي قال لها ذلك أمها ولعل القول صدر منهما معاً ليحصل الجمع بين الروايتين
    ص 189
    ولما سئل رضي الله عنه عن قوله صلى الله عليه وسلم : " وجعلت قرة عيني في الصلاة " هل ذلك خاص به صلى الله عليه وسلم أو لغيره منه نصيب ؟ أجاب بقوله :
    (
    إن قرة العين بالشهود على قدر المعرفة بالمشهود فالرسول صلى الله عليه وسلم ليس معرفة كمعرفته فليس قرة عين كقرته وإنما قلنا إن قرة عينه في صلاته بشهوده جلال مشهوده لأنه قد أشار إلى ذلك بقوله في الصلاة ولم يقل بالصلاة إذ هو صلوات الله عليه وسلامه لا تقر عينه بغير ربه وكيف وهو يدل على هذا المقام ويأمر به من سواه بقوله صلى الله عليه وسلم : " اعبد الله كأنك تراه " ومحال أن يراه ويشهد معه سواه فإن قال قائل قد تكون قرة العين بالصلاة لأنها فضل من الله وبارزة من عين
    ص 190
    منة الله فكيف لا يفرح بها ؟ وكيف لا تكون قرة العين بها ؟ وقد قال سبحانه : { قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا } ( 58 ) يونس الآية فاعلم أن الآية قد أومأت إلى الجواب لمن تدبر سر الخطاب إذ قال فبذلك فليفرحوا وما قال فبذلك فافرح يا محمد قل لهم فليفرحوا بالإحسان والتفضل وليكن فرحك أنت بالمتفضل كما قال في الآية الأخرى : { قُلْ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ } ( 91 ) الأنعام )
    قرة العين - بضم القاف وتشديد الراء - عبارة عن كمال الفرح والسرور ويختلف ذلك باختلاف الناس قوة وضعفاً على حسب معرفتهم بمعبودهم الذي يناجونه في صلاتهم و معلوم أن أكمل الناس في معرفة سيد الأولين و الآخرين فلذلك لم تكن قرة عين كقرته من الناس أجمعين وكانت قرة عينه صلى الله عليه وسلم في الصلاة بربه لا بالصلاة لأن ذلك هو المقام الأكمل
    وأما من كانت قرة عينه بالصلاة نظراً لكونها من الفضل فمقامه أنزل ولا يليق به صلى الله عليه وسلم وبمن كان على قدمه من خواص أتباعه إلا أكمل الحالات . أسأل الله بجاهه العظيم أن يوصلنا إلى رفيع الدرجات
    ص 191
    ومما كتبه رضي الله عنه لبعض إخوانه قوله :
    (
    الناس في ورود المنن على ثلاثة أقسام : فرح بالمنن لا من حيث مهديها ومنشئها ولكن بوجود متعته فيها فهذا من الغافلين يصدق عليه قوله تعالى : { حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً } ( 44 ) الأنعام وفرح بالمنن من حيث إنه شهدها منة ممن أرسلها ونعمة ممن أوصلها يصدق عليه قوله تعالى { قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ } ( 58 ) يونس وفرح بالله ما شغله من المنن ظاهر متعتها ولا باطن منتها بل شغله النظر إلى الله عما سواه والجمع عليه فلا يشهد إلا إياه يصدق عليه قوله تعالى { قُلْ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ } ( 91 ) الأنعام )
    ص 192
    يعني من الناس قسم فَرِحٌ - بفتح الفاء وكسر الراء منوناً - أي شديد الفرح بالمنن أي النعم لا من حيث مهديها ومنشئها وهو الله تعالى وإنما فرحه بسبب تمتعه بها فهذا الفريق أشبه شيء بالأنعام الذين يأكلون ويشربون ويغفلون عن صاحب الإنعام فربما كانت عليهم النعم استدراجاً فكلما أعطوا نعمة ازدادوا غفلة عن شكر المنعم حتى يأخذه أخذ عزيز مقتدر وقسم فرح بالنعم من حيث إنه شهدها منة وفضلاً ممن أرسلها إليه ونعمة ممن أوصلها لديه وهو الله تعالى فشكره سبحانه عليها وشرف بذلك ولكن انحط قدره حيث نظر إلى حظ نفسه في النعمة وارتكن إليها فإذا نزعت منه تغير عليها فهو مخاطب بما خوطب به أوساط المؤمنين في الآية الكريمة بقوله تعالى : { قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا } ( 58 ) يونس . وقسم في غاية الشرف والكمال لم ينظر بعين البصيرة إلا للمنعم المفضال فلم يلتفت إلى ظاهر متعة النعم أي التمتع بها كالقسم الأول ولا إلى باطن منتها من حيث إنها منة من الله وعناية منه بهم كالقسم الثاني بل شغله النظر إلى الله تعالى عما سواه والجمع عليه بقلبه فلا يشهد إلا إياه لأن المشاهد للمنعم فان عن حظوظ نفسه فهو يرى الأشياء كلها نعماً لا فرق عنده بين وجود وعدم ولا منع وعطاء لا يخاف عليه من التغير والانقلاب لتغير الأفعال والأسباب فهو الذي يصدق عليه قوله تعالى : { قُلْ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ } ( 91 ) الأنعام

    عبدالله محمد
    نائب المدير والاداره
    نائب المدير والاداره

    عدد المساهمات : 171
    تاريخ التسجيل : 13/10/2008
    العمر : 48
    الموقع : بحر الشمال جزيرة ارهوس

    رد: كتاب شرح الحكم العطائية سيدي بن عطاء الله السكندري

    مُساهمة من طرف عبدالله محمد في الخميس أكتوبر 16, 2008 2:46 pm

    ص 193
    وقد أوحى الله إلى داود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام : يا داود قل للصديقين بي فليفرحوا وبذكري فليتنعموا ) . يعني أن من كان كثير الصدق في الأقوال والأفعال والأحوال فلا ينبغي أن يفرح إلا بكونه عبداً لذي العزة والجلال ولا يتلذذ إلا بذكر الكبير المتعال . فإنه إذا كان بهذه المثابة يبلغه سيده الآمال
    (
    والله تعالى يجعل فرحنا وإياكم به وبالرضا منه وأن يجعلنا من أهل الفهم عنه وأن لا يجعلنا من الغافلين وأن يسلك بنا مسلك المتقين بمنه وكرمه ) آمين
    المناجاة الإلهية
    ص 195 - إلهي أنا الفقير في غناي . . . - أنا الجاهل في علمي
    المناجاة الإلهية
    وقال رضي الله عنه في مناجاته وكلها حكم عجيبة لها في القلوب تأثيرات غريبة لا سيما إذا استعملت في الأسحار فإنها تكسو القلوب جلابيب الأنوار
    ( 1 )
    إلهي أنا الفقير في غناي فكيف لا أكون فقيراً في فقري ؟
    ( 2 )
    إلهي أنا الجاهل في علمي فكيف لا أكون جهولاً في جهلي ؟
    يعني أنا الفقير إليك في الحالة التي تغنيني فيها والجاهل في حال علمي فإن فقري وجهلي من صفاتي الذاتية والغنى والعلم من الصفات العرضية والعارض بصدد الزوال فلا تتوهم أيها الناظر أن فيه الجمع بين المتنافيين تكن من أهل الكمال . وقدم المصنف هذا بين يدي دعائه ليكون أرجى للإجابة كما قال بعضهم في قوله تعالى : { ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً } ( 55 ) الأعراف التضرع في الدعاء أن تقدم إليه افتقارك وعجزك لا أن تقدم إليه صلواتك وفعلك . وقال
    ص 196 - إلهي أن اختلاف . . . - مني ما يليق . . . - وصفتَ نفسكَ
    سهل بن عبد الله : ما أظهر عبد فقره إلى الله تعالى في وقت الدعاء في شيء يحل به إلا قال لملائكته : لولا أنه لا يحتمل كلامي لأجبته لبيك
    ( 3 )
    إلهي إن اختلاف تدبيرك وسرعة حلول مقاديرك منعا عبادك العارفين بك عن السكون إلى عطاء واليأس منك في بلاء
    يعني أن اختلاف ما تدبره يا الله في المخلوقات بالصحة والمرض والغنى والفقر والطاعة والمعصية والقبض والبسط والقناعة والحرص ونحو ذلك وسرعة حلول ما تقدره عليهم منعا عبادك العارفين بك عن سكونهم إلى عطاء منك سواء كان دنيوياً كالأموال أو دينياً كالمعارف وعن يأسهم منك في رفع بلاء عنهم أوقعته بهم سواء كان دنيوياً كفقر أو دينياً كمعصية لأن العبرة بالخواتم والنهايات . فكم من ذي مال صار فقيراً وكم من فقير صار غنياً وكم من مريض صار صحيحاً وكم من صحيح صار مريضاً وكم من طائع صار عاصياً وكم من عاص صار مطيعاً فنسأله سبحانه حسن الختام بجاه النبي E
    إلهي مني ما يليق بلؤمي ومنك ما يليق بكرمك
    أي مني ما يليق بلؤمي الذي هو وصف العبيد من مبارزتك بالذنوب ومنك ما يليق بكرمك الذي هو وصف الربوبية من التجاوز والعفو وستر العيوب وهذا الكلام من ألطف آداب الدعاء ولا يخيب عبد به إلى الله التجأ
    ( 5 )
    إلهي وصفت نفسك باللطف والرأفة بي قبل وجود ضعفي أفتمنعني منهما بعد وجود ضعفي
    يعني أن اللطف والرأفة التي هي شدة الرحمة قد اتصف بهما سبحانه في
    ص 197 - إلهي إن ظهرت المحاسن . . . - كيف تكلني إلى نفسي
    الأزل . فقال : { اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ } ( 19 ) الشورى . أي مريد بهم الرفق والرحمة فيما لا يزال ولا يتصور أن يمنع العبد منهما بعد وجوده فإن وعده سبحانه لا يخلف
    ( 6 )
    إلهي إن ظهرت المحاسن مني فبفضلك ولك المنة علي وإن ظهرت المساوي مني فبعدلك ولك الحجة علي
    أي إن ظهرت أنواع الطاعات والصفات المحمودة مني فبفضلك ولك المنة أي الامتنان علي بشهادة : { وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا } ( 21 ) النور وملاحظة : { وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ } ( 40 ) النور . وإن ظهرت المساوي أي أنواع المعاصي والصفات المذمومة مني فبعدلك لا بطريق الظلم فإنك متصرف في ملكك ولك الحجة عليّ لأنك رب وأنا عبد فتقول : لم فعلت يا عبدي وليس لي عليك حجة بأن أقول إن ذلك بتقديرك يا ربي فإن ذلك شأن الجاهل وأما العالم فيقول : المالك يتصرف في ملكه كيف يشاء بذوق { لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ } ( 23 ) الأنبياء
    ( 7 )
    إلهي كيف تكلني إلى نفسي وقد توكلت لي ؟ وكيف أضام وأنت الناصر لي ؟ أم كيف أخيب وأنت الحفي بي ؟
    يعني أن من أسمائه تعالى الوكيل أي الكافي والناصر أي مانع الضيم والذل والحفي - بالحاء المهملة والفاء - أي اللطيف وهذه الأسماء تقتضي
    ص 198 - ها أنا أتوسل
    وجود آثارها من كفاية العبد ونصرته واللطف به
    (
    ها أنا أتوسل إليك بفقري إليك وكيف أتوسل إليك بما هو محال أن يصل إليك ؟ أم كيف أشكو إليك حالي وهو لا يخفى عليك ؟ أم كيف أترجم لك بمقالي وهو منك برز إليك ؟ أم كيف تخيب آمالي وهي قد وفدت إليك ؟ أم كيف لا تحسن أحوالي وبك قامت وإليك ؟ )
    لما كان أعظم ما يتوسل - أي يتقرب به العبد إلى مولاه - فقره إليه في كل حال من الأحوال لكونه مقتضى العبودية بلا اشتباه قال المصنف : ها أنا أتوسل إليك بفقري إليك ثم إنه ترقى عن هذا المقام ورأى أن التوسل بالفقر معلول عند العارفين الأعلام فإن توسل العبد به يقتضي شهوده له واعتماده عليه ورأى أيضاً أنه لا مناسبة بين المتوسل به والمتوسل إليه فقال : وكيف أتوسل إليك بما هو محال أن يصل إليك ؟ فلا يصح التوسل بالفقر من هذا الوجه عند العارفين كما هو مقتضى الحقيقة والأول مقام السالكين وهو مقتضى الشريعة . ويناسب مقام العارفين ما حكي أن سيدي أبا الحسن الشاذلي دخل على شيخه سيدي عبد السلام فقال له : يا أبا الحسن بماذا تلقى الله تعالى ؟ فقال له : بفقري . فقال له الشيخ : والله لئن لقيت الله بفقرك لتلقينه بالصنم الأعظم ولا تصح حقيقة الفقر إلا بالغيبة عن الفقر وإلا كنت غنياً بفقرك . آه ثم أن المصنف ترقى إلى مقام الخليل المقتضي لترك الدعاء والتسليم إلى الملك الجليل فتعجب من نفسه في حال السؤال السابق وقال : أم كيف أشكو حالي وهو لا يخفى عليك ؟ فإن الخليل لما قال له جبريل : - عندما أراد النمرود أن يلقيه في النار - سل مولاك . فقال : حسبي من سؤالي علمه بحالي . ثم تعجب أيضاً من كونه يسأل بقوله : أم كيف أترجم لك بمقالي وهو منك برز إليك ؟ يعني أن العبد لا تنسب إليه الترجمة والسؤال فإن الذي أنطق لسانه إنما هو الكبير المتعال ومن أنطق لسانه عالم بأحواله فهو المسؤول الذي يتفضل عليه عند تحريك لسانه بحصول آماله ولذا قال : أم كيف تخيب آمالي - أي ما أؤمله وأرتجيه من كل ما يرام - وهي قد وفدت - أي توجهت - إليك كما تتوجه
    ص 199 - إلهي ما ألطفك . . - ما أقربك . . - ما أرأفك بي . . - قد علمت
    الوفود إلى الكرام وأنت أكرم الأكرمين فافعل بنا ما أنت أهله يا أرحم الراحمين . ثم إنه ترقى عن مقام نسبة التقصير للنفس الذي اقتضته هذه التعجبات لأنه غير لائق بالعارفين لما فيه من رؤية النفس وملاحظة حالها والعارف لا يرى غير الله ويرى أن الأحوال كلها حسنة من حيث نسبتها له فقال : أم كيف لا تحسن أحوالي الباطنية والظاهرية وبك قامت ؟ - أي صدرت - وإليك رجعت لأنك المقصود بها
    ( 8 )
    إلهي ما ألطفك بي مع عظيم جهلي وما أرحمك بي مع قبيح فعلي
    ما تعجبية أي ما أكثر لطفك ورفقك بي مع جهلي العظيم بعواقب الأمور فربما أقصد ما فيه ضرر فيمنعني لطفك عنه ويرشدني إلى ما فيه النفع والسرور وما أعظم رحمتك بي مع فعلي القبيح المقتضي - لولا عظيم إحسانك إلي - للتأديب والتقبيح
    ( 9 )
    إلهي ما أقربك مني وما أبعدني عنك
    أي ما أشد قربك مني بالإحاطة والاقتدار وما أبعدني عنك بصفاتي التي لا تليق للقرب من العزيز الغفار ثم ترقى فقال :
    ( 10 )
    إلهي ما أرأفك بي فما الذي يحجبني عنك ؟
    أي ما أشد رأفتك بي التي أفنى بها عن رؤية نفسي فما الذي يحجبني عنك أي فلا حاجب لي عن الرب المعبود ما دمت في هذا الشهود
    ( 11 )
    إلهي قد علمت باختلاف الآثار وتنقلات الأطوار أن مرادك أن تتعرف إلي في كل شيء حتى لا أجهلك في شيء
    يعني قد علمت باختلاف الآثار علي التي هي تنقلات الأطوار أي الأحوال من صحة ومرض وغنى وفقر وعز وذل وقبض وبسط وطاعة وعصيان إلى غير ذلك من الشؤون التي تبديها ولا تبتدئها بشهادة { كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ } ( 29 ) الرحمن وأيقنت أن مرادك مني أن تتعرف إلي تعرفاً خاصاً في كل
    ص 200

    عبدالله محمد
    نائب المدير والاداره
    نائب المدير والاداره

    عدد المساهمات : 171
    تاريخ التسجيل : 13/10/2008
    العمر : 48
    الموقع : بحر الشمال جزيرة ارهوس

    رد: كتاب شرح الحكم العطائية سيدي بن عطاء الله السكندري

    مُساهمة من طرف عبدالله محمد في الخميس أكتوبر 16, 2008 2:48 pm

    في كل
    ص 200 - إلهي كلما أخرسني . . . - من كان محاسنه . . . - حكمك النافذ
    شيء حتى أعرفك ولا أجهلك في شيء فأشكرك في حال النعمة وأصبر في حال النقمة . وأما لو ألزمتني حالة واحدة لكانت معرفتي ناقصة فأنا الآن أتقلب بالمعرفة في جنة أتبوأ منها حيث أشاء . قال بعضهم : في الدنيا جنة معجلة من دخلها لم يشتق إلى جنة الآخرة ولا لشيء أبداً ولم يستوحش من شيء . قيل : وما هي ؟ قال : معرفة الله تعالى
    ( 12 )
    إلهي كلما أخرسني لؤمي أنطقني كرمك وكلما آيستني أوصافي أطمعتني مننك
    أي كلما أخرسني عصياني الناشئ عن لؤم العبيد المانع من انطلاق اللسان بالطلب من العزيز الحميد أنطقني كرمك العام الذي لا يخص من استقام وكلما آيستني - أي أوقعتني في اليأس من الاستقامة - أوصافي الذميمة أطمعتني في ذلك مننك التي شملت البار والفاجر فلم تخص صاحب الأوصاف العظيمة
    ( 13 )
    إلهي من كانت محاسنه مساوي فكيف لا تكون مساويه مساوي ؟ ومن كانت حقائقه دعاوي فكيف لا تكون دعاويه دعاوي ؟
    أي من كانت أعماله الصالحة عيوباً في نفس الأمر لعدم خلوها من دقائق العجب والرياء فإنه أخفى من دبيب النمل فكيف لا تكون مساويه - أي عيوبه الظاهرة وأعماله السيئة - مساوي ؟ أي عيوباً في نفس الأمر فصح الإخبار . ومن كانت حقائقه - أي الأمور التي يتحقق بها من العلوم والمعارف - دعاوي لا حقائق لها في نفس الأمر فكيف لا تكون دعاويه التي يدعيها دعاوي في نفس الأمر ؟ فالكمال المنسوب إلى العبد نقصان على التحقيق فما ظنك بنقصانه ؟ أسأل الله العفو والتوفيق
    ( 14 )
    إلهي حكمك النافذ ومشيئتك القاهرة لم يتركا لذي مقال مقالاً ولا لذي حال حالاً
    ص 201 - إلهي كم من طاعة بنيتها . . . - أنت تعلم . . . - كيف أعزم
    أي قضاؤك النافذ في خلقك ويفسر ذلك قوله : ومشيئتك القاهرة لم يتركا لذي مقال مقالاً فمن كان ينطق بالحكمة البهية ويتكلم بالعلوم والمعارف الربانية لم يغتر بذلك لأن المشيئة قهرت غيره بسلب ما كان معه فيكون دائماً في مقام الخوف وكذلك إذا كان ذا حال من الأحوال بأن حصل له الكشف فإنه لا يغتر بذلك لما شوهد من سلب كثير من الرجال فوجب الفرار من كل شيء إليه والاعتماد في جميع الأحوال عليه
    ( 15 )
    إلهي كم من طاعة بنيتها وحالة شيدتها هدم اعتمادي عليها عدلك بل أقالني منها فضلك
    أي كم من طاعة ظاهرية بنيتها أي أقمتها على الوجه المأمور به وحالة باطنية شيدتها بالإخلاص فيها وتطهيرها مما يكدر صافيها ولما رأيت أني صرت بها في حصن حصين من النار وأيقنت بحصول الثواب في دار القرار هدم اعتمادي عليها عدلك الذي مقتضاه أنك تفعل ما تشاء وتختار فلك أن تعذب الطائع وترحم العاصي فأقالني من الاعتماد عليها فضلك الذي هو أحسن عوض يا عزيز يا غفار
    ( 16 )
    إلهي أنت تعلم وإن لم تدم الطاعة مني فعلاً جزماً فقد دامت محبة وعزماً
    يعني أن عدم دوام فعل الطاعة مجزوم به لكن دامت محبتي لها وعزمي عليها كما يعلم الله وهذا فضل كبير مَنَّ به اللطيف الخبير
    ( 17 )
    إلهي كيف أعزم وأنت القاهر وكيف لا أعزم وأنت الآمر ؟
    مقصوده الجمع بين الحقيقة والشريعة فكن بالحقيقة مؤيداً وبالشريعة مقيداً لأن العبد إذا شاهد عجزه وضعفه وأنه لا مشيئة له إلا بمشيئة ربه لم يبق في نظره عزم فضلاً عن الجزم فضلاً عن العمل فلا ينسب شيئاً إلى نفسه ولا يسعه إلا التسليم والانقياد لقضاء ربه وإذا نظر إلى تكليفه وأمره ونهيه حاول العزم وعالج الجزم وسارع إلى العمل والله تعالى يرزقنا التوفيق وبلوغ الأمل
    ص 202 - إلهي ترددي في . . . - كيف يستدل . . . - عميت عين لا
    ( 18 ) إلهي ترددي في الآثار يوجب بعد المزار فاجمعني عليك بخدمة توصلني إليك
    أي تعلقي بالآثار التي هي المكونات من حيث الاستدلال بها عليك يوجب بعد المزار أي الوصول إليك فاجمعني عليك أي أوقفني بين يديك بخدمة أي طاعة من أذكار ورياضات ومجاهدات فإنها وإن كانت من الآثار لكنها من حقوق الله التي بها يصل العبد بمعونته تعالى إلى رفيع الدرجات

    ( 19 ) إلهي كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك ؟ أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك ؟ متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك ؟ ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك ؟

    يشير إلى أن أرباب الدليل والبرهان عوام عند أهل الشهود والعيان فإنه شتان بين من يستدل به وبين من يستدل عليه وقد قال أبو الحسن الشاذلي : كيف يعرف بالمعارف من به عرفت المعارف ؟ أم كيف يعرف بشيء من سبق وجوده وجود كل شيء ؟ آه جعلنا الله به من العارفين بجاه سيد الأولين والآخرين

    ( 20 ) إلهي عميت عين لا تراك عليها رقيباً وخسرت صفقة عبد لم يجعل له من حبك نصيباً . يعني إذا لم يلاحظ أن الله رقيب عليه فذلك لعمى بصيرته التي هي عين قلبه فيكون

    غافلاً عن قوله تعالى { وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ } ( 61 ) يونس

    قال الإمام القشيري : خوّفهم بما عرّفهم من اطلاعه عليهم في جميع أحوالهم ورؤيته لما يسلفونه من فنون أعمالهم والعلم بأنه يراهم يوجب
    ص 203 - إلهي أمرت بالرجوع إلى الآثار
    استحياؤهم منه . وفي الحديث : " أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله معه حيث كان " وقوله وخسرت صفقة - أي تجارة - عبد لم يجعل له من حبك نصيباً أي من حبك له بمزيد التفضل والإحسان وحبه لك بالطاعة التي تقربه إلى مواهب الرضوان فيكون من الذين قال الله فيهم : { يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } ( 54 ) المائدة وفي بعض الآثار : يا عبدي أنا لك محب فبحقي عليك كن لي محباً
    ( 21 )
    إلهي أمرت بالرجوع إلى الآثار فارجعني إليها بكسوة الأنوار وهداية الاستبصار حتى أرجع إليك منها كما دخلت إليك منها مصون السر عن النظر إليها ومرفوع الهمة عن الاعتماد عليها { إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } ( 26 ) آل عمران
    أي أمرت يا الله بعد سفر الترقي الذي هو الوصول إلى صريح المعرفة بالرجوع إلى الآثار - أي المكونات - الذي هو سفر التدلي فارجعني إليها - بوصل الهمزة - مكسواً بكسوة أنوار اليقين ومؤيداً بهداية الاستبصار وهي العلم الراسخ المتين حتى أرجع إليك منها بأن أشاهدك فيها ولا أشتغل بها عنك كما دخلت إليك منها بالاستدلال بها عليك في ابتداء السلوك فإني إذا كنت مؤيداً منك بما ذكر كنت مصون السر عن النظر إليها بعين الاستحسان ومرفوع الهمة عن الاعتماد عليها في نوال أو حسان
    ص 204 - إلهي هذا ذلي ظاهر . . . - علمتني من علمك
    ( 22 ) إلهي هذا ذلي ظاهر بين يديك وهذا حالي لا يخفى عليك منك أطلب الوصول إليك وبك أستدل عليك فاهدني بنورك إليك وأقمني بصدق العبودية بين يديك
    بمثل هذا الدعاء يرجى جزيل العطاء فإن مع الذلة تكون النصرة قال تعالى : { وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ } ( 123 ) آل عمران فمن تذلل بين يدي مولاه أي قدرته وإرادته أمده بجنود عزته وما ألطف قول بعضهم
    :
    وما رمت الدخول عليه حتى حللت محلة العبد الذليل

    وأغضيت الجفون على قذاها وصنت النفس عن قال وقيل

    وذل العبد للمولى غناه وغايته إلى العز الطويل

    ثم إن مطلب العارفين - منه لا من غيره - الوصول إليه والاستدلال به عليه إذ لا وصول إلى معرفته سبحانه إلا بتعريفه فلذا سأل ذلك المصنف بقوله : منك أطلب الوصول إليك وبك أستدل عليك فاهدني بنورك أي نور الإيمان واليقين إليك أي إلى معرفتك وأقمني بصدق العبودية أي بالعبودية الصادقة بين يديك بأن أكون حاضر القلب معك وأنا في غاية التذلل والخضوع لك ظاهري كباطني

    ( 23 ) إلهي علمني من علمك المخزون وصني بسر اسمك المصون

    أي من علمك اللدني الذي اختزنته عندك لخاصة أوليائك كما قلت في كتابك العزيز في حق الخضر عليه السلام : { وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا } ( 65 ) الكهف . قال أبو بكر الواسطي في قوله تعالى : { وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ } ( 7 ) آل عمران : هم الذين

    ص 205 - حققني بحقائق أهل . . . - إلهي أغنني بتدبيرك

    عبدالله محمد
    نائب المدير والاداره
    نائب المدير والاداره

    عدد المساهمات : 171
    تاريخ التسجيل : 13/10/2008
    العمر : 48
    الموقع : بحر الشمال جزيرة ارهوس

    رد: كتاب شرح الحكم العطائية سيدي بن عطاء الله السكندري

    مُساهمة من طرف عبدالله محمد في الخميس أكتوبر 16, 2008 2:50 pm

    إلهي أغنني بتدبيرك
    رسخوا بأرواحهم في غيب الغيب وفي سر السر فعرّفهم ما عرّفهم وخاضوا بحر العلم بالفهم لطلب الزيادة فانكشف لهم من مدخور الخزائن والمخزون تحت كل حرف وآية من الفهم وعجائب النظر فاستخرجوا الدرر والجواهر ونطقوا بالحكمة وقال بعضهم : العلم اللدني هو أسرار الله يبديها إلى أنبيائه وأوليائه وسادات النبلاء من غير سماع ولا دراسة . وقوله وصني أي احفظني عن رؤية الأغيار بسر اسمك المصون أي أسمائك المصونة وسرها ما يتوارد على القلب من أنوارها
    ( 24 )
    إلهي حققني بحقائق أهل القرب واسلك بي مسالك أهل الجذب
    أي اعطني مقامات أهل القرب منك وهي الفناء في التوحيد والتحقق بالتجريد فتبطل في حقهم رؤية الأسباب ويزول عن مطمح نظرهم كل ستر وحجاب واسلك بي مسالك أهل الجذب وهم المحبوبون المرادون فإن مسالكهم في غاية السهولة لأن الله جذبهم إليه وأخرجهم من أسرار النفس والسوى حتى أقبلوا بعنايته عليه . أسأل الله أن يقرب لنا الطريق إنه ولي التوفيق
    ( 25 )
    إلهي أغنني بتدبيرك عن تدبيري وباختيارك لي عن اختياري وأوقفني على مراكز اضطراري
    لما كان كل من التدبير والاختيار مختصاً بالواحد القهار سأله أن يغنيه عنهما حتى لا يكون له التفات إليهما فإن في ذلك منازعة للربوبية ومباعدة عن مقام العبودية إذ العبد ليس له إلا الوقوف على مراكز الاضطرار أي مواضعه من الذل والفقر والعجز ليحصل له المدد من ذي العزة والاقتدار فلذا طلب المصنف الوقوف عليها ليكون متحققاً بها ومديم النظر إليها ومن تعلق بصفات مولاه فإنه يبلغه بتدبيره واختياره ما يتمناه
    ص 206 - إلهي أخرجني من ذل
    ( 26 ) إلهي أخرجني من ذل نفسي وطهرني من شكي وشركي قبل حلول رمسي
    أي أخرجني يا الله من ذل نفسي لغيرك بالطمع والحرص وطهرني من شكي الذي هو ضيق الصدر عند إحساس النفس بأمر مكروه يصيبها فإذا ضاق الصدر أظلم القلب وكثر الحزن والهم والطهارة منه تكون بحصول ضده وهو اليقين وبقدر ما يصيب القلب من نور اليقين يكون انشراحه وفرحه بالله تعالى . وفي الحديث : " أن الله تعالى بقسطه وعدله جعل الروح والفرح في الرضا واليقين وجعل الهم والحزن في الشك والسخط " والشرك تعلق القلب بالأسباب عند غفلته عن المسبب والطهارة منه تكون بوجود ضده وهو نور التوحيد وكل من قوي نور التوحيد في قلبه كان خلاصه من الشرك أكثر فتضمحل عنده الأسباب ويكون تعلقه بمسبب الأسباب . والرمس - بفتح الراء المشددة وسكون الميم - القبر

    ( بك أستنصر فانصرني وعليك أتوكل فلا تكلين وإياك أسأل فلا تخيبني وفي فضلك أرغب فلا تحرمني ولجنابك أنتسب فلا تبعدني وببابك أقف فلا تطردني
    )
    أي بك يا منان أطلب النصر على نفسي والهوى والشيطان فانصرني يا نعم المولى ويا نعم النصير فإني عاجز ضعيف وأنت القوي القدير وعليك أتوكل أي أعتمد وإليك أنيب فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا أقل من ذلك يا نعم المجيب وإنما قال : فلا تكلني بعد قوله : وعليك أتوكل مع أن من توكل على الله لا يكله لقوله تعالى : { وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ } ( 3 ) الطلاق
    ص 207 - إلهي تقدس رضاك . . . - أن القضاء والقدر
    لأن العارف يتهم نفسه ويشهد تقصيرها في الإتيان بحق التوكل فكأنه يقول فلا تكلني وغن كان توكلي ضعيفاً وكذا يقال فيما بعده أي فلا تخيبني وإن لم أكن أهلاً للإجابة ولا تحرمني وإن لم أصدق في الرغبة ولا تبعدني وإن لم أصدق في الانتساب لجنابك أي ذاتك أي لم أصدق في الانتساب بالعبودية لها ولا تطردني وإن لم أقم بشروط الوقوف ببابك للسؤال
    ( 27 )
    إلهي تقدس رضاك عن أن تكون له علة منك فكيف تكون له علة مني ؟ أن الغني بذاتك عن أن يصل إليك النفع منك فكيف لا تكون غنياً عني ؟
    أي تنزه رضاك الذي هو إرادة الإحسان عن أن تكون له علة منك لأن القديم لا يكون مسبوقاً بشيء فكيف تكون له علة مني كأعمالي وأحوالي ؟ فرضا المولى لا يتوقف على سبب ولا علة بل رضاه وسخطه هما سبب أعمال العاملين حسنها وسيئها رضي عن قوم فاستعملهم في خدمته وسخط على قوم فأبعدهم عن حضرته ثم علل ذلك بقوله : أنت الغني بذاتك الخ
    ( 28 )
    إلهي أن القضاء والقدر غلبني وإن الهوى بوثائق الشهوة أسرني فكن أنت النصير لي حتى تنصرني وتنصر بي وأغنني بفضلك حتى أستغني بك عن طلبي
    يعني أن القضاء الذي هو إرادة الله مع التعلق في الأزل والقدر - بتحريك الدال المهملة - الذي هو إيجاد الله الأشياء على وفق إرادته غلبني أي غلبني كل منهما - وفي نسخة غلباني - وإن الهوى أي ميل النفس إلى شهواتها أسرني أي قيدني بالشهوة بالشهوة الشبيهة بالوثاق أي القيد الذي يقيد به الأسير وهذا اعتذار لا احتجاج أي اعتراف منه بنفوذ الحكم وقهر المشيئة وانتفاء الحول والقوة عنه وأنه لا يقدر على خلاص نفسه من شهواتها ولا يستطيع نصرتها ولذا أعقبه بقوله : فكن أنت النصير لي حتى تنصرني على النفس والهوى والشيطان وتنصر بي سائر أحبابي على ما ذكر فأكون سبباً لنفع
    ص 208 - أنت الذي أشرقت
    الإخوان والخلان وأغنني - بقطع الهمزة - أي اجعلني غنياً بشهود فضلك حتى أستغني بك أي بشهود منتك عن طلبي منك وهذا غاية السعادة كما قال الشاذلي : والسعيد حقاً من أغنيته عن السؤال منك
    (
    أنت الذي أشرقت الأنوار في قلوب أوليائك حتى عرفوك ووحدوك وأنت الذي أزلت الأغيار من قلوب أحبابك حتى لم يحبوا سواك ولم يلجئوا إلى غيرك أنت المؤنس لهم حيث أوحشتهم العوالم وأنت الذي هديتهم حتى استبانت لهم المعالم ماذا وجد من فقدك وما الذي فقد من وجدك ؟ لقد خاب من رضي دونك بدلاً ولقد خسر من بغى عنك متحولاً )
    يعني أنت يا الله الذي أشرقت بفضلك أنوار المعارف واليقين في قلوب أوليائك حتى بك عرفوك ووحدوك وأنت الذي أزلت التعلق بالأغيار أي المكونات من قلوب أحبابك حتى لم يحبوا سواك ولم يلجئوا أي لم يركنوا إلى غيرك لعلمهم أنك أنت المؤنس لهم بإدخال السرور عليهم حيث أوحشتهم العوالم التي كانوا يألفونها من أولاد وأموال وأصحاب فإن من شاهد الأنس من الحق استوحش من كل شيء وعنه غاب قال ذو النون المصري : بينما أنا أسير في بعض البوادي إذ لقيتني امرأة فقالت : من أنت ؟ فقلت : رجل غريب . فقالت : وهل توجد مع الله أحزان الغربة ؟ وقوله : وأنت الذي هديتهم . أي نور المعرفة حتى استبانت أي ظهرت لهم المعالم أي طرق الحق التي سلكوها . وقوله : ماذا وجد من فقدك ؟ أي من فقد شهودك بتعلقه بالأغيار أي لم يجد شيئاً ينفعه بل تعلق بالمضار . وما الذي فقد من وجدك ؟ أي لم يفقد شيئاً من كان في مقام الشهود بل فاز بكل مقصود فمن رضي دونك بدلاً لا يرجع إلا بالخيبة والحرمان ومن بغى عنك متحولاً - بفتح الواو المشددة - أي طلب التحول عن حضرتك والتعلق بالأكوان فقد عمه الخسران . وما ألطف ما قيل :
    سهر العيون لغير وجهك باطل وبكاؤهن لغير فقدك ضائع
    ص 209 - إلهي كيف يرجى سواك
    وناهيك قوله تعالى : { قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } ( 14 ) الأنعام
    ( 29 )
    إلهي كيف يرجى سواك وأنت ما قطعت الإحسان ؟ وكيف يطلب من غيرك وأنت ما بدلت عادة الامتنان يا من أذاق أحباءه حلاوة مؤانسته فقاموا بين يديه متملقين ويا من ألبس أولياءه ملابس هيبته فقاموا بعزته مستعزين أنت الذاكر من قبل الذاكرين وأنت البادئ بالإحسان من قبل توجه العابدين وأنت الجواد بالعطاء من قبل طلب الطالبين وأنت الوهاب ثم أنت لما وهبتنا من المستقرضين
    أي كيف يرجى سواك يا الله وأنت ما قطعت الإحسان ؟ بل إحسانك مستمر تحتاج إليه الأكوان وكيف يطلب من غيرك وأنت ما بدلت عادة الامتنان ؟ فهذا تعجيب ممن يوجه الرجاء والطلب لغير الواحد المنان يا من أذاق أحبائه - جمع حبيب - حلاوة مؤانسته أي مؤانسته التي هي سرور القلب بشهود جمال المحبوب الشبيهة بالشيء الحلو المذاق فقاموا بين يديه أي بحضرته متملقين أي متلطفين في التودد بلطيف السؤال المشتمل على الذلة والانكسار للكبير المتعال ويا من ألبس أوليائه ملابس هي هيبته فقاموا بعزته مستعزين فرفعوا هممهم عن تعلقها بالأغيار تيهاً بعزة رب العالمين . أنت الذاكر أي الموفق للذكر من قبل وجود الذاكرين وأنت البادئ بالإحسان والإرشاد للطاعة من قبل توجد العابدين وأنت الجواد - بتخفيف الواو - أي كثير الجود بالعطاء من قبل طلب الطالبين وأنت الوهاب أي كثير الهبة لنا ثم أنت لما وهبتنا من المستقرضين حيث قلت : { مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً } ( 245 ) البقرة وفي هذا من التعطف على عبيدك ورفعة قدرهم بفضلك ما

    ص 210 - إلهي اطلبني .

    عبدالله محمد
    نائب المدير والاداره
    نائب المدير والاداره

    عدد المساهمات : 171
    تاريخ التسجيل : 13/10/2008
    العمر : 48
    الموقع : بحر الشمال جزيرة ارهوس

    رد: كتاب شرح الحكم العطائية سيدي بن عطاء الله السكندري

    مُساهمة من طرف عبدالله محمد في الخميس أكتوبر 16, 2008 2:54 pm

    - أن رجائي . . . - قد دفعتني . . . - كيف أخيب
    يليق بإحسانك وكرمك
    ( 30 )
    إلهي اطلبني برحمتك حتى أصل إليك واجذبني بمنتك حتى أقبل عليك
    أي اطلبني إلى القرب لحضرتك فإنه لا سبيل إلى الوصول إليها إلا بإحسانك ورحمتك واجذبني أي خذني مني بمنتك حتى أقبل عليك بمعونتك
    ( 31 )
    إلهي إن رجائي لا ينقطع عنك وإن عصيتك كما أن خوفي لا يزايلني وإن أطعتك
    يعني أن الرجاء والخوف يكونان للعارف كجناحي الطائر لأن منشأ الأول مشاهدة صفات الجمال ومنشأ الثاني مشاهدة صفات الجلال فكما أنه لا تفاوت في الصفات لا تفاوت عندهم في مشاهدتها . وقد كان سيدي يحيى بن معاذ يقول : يكون رجائي لك مع الذنوب يغلب رجائي لك مع الأعمال لأني أجدني أعتمد في الأعمال على الإخلاص وكيف أحررها وأنا بالآفة معروف ؟ وأجدني في الذنوب أعتمد على عفوك وكيف لا تغفرها وأنت بالجود موصوف ؟ وقوله : كما أن خوفي لا يزايلني . أي لا يفارقني وإن أطعتك لعلمي بأنك الفعال لما تريد فلا تنفع الطاعة من سخطت عليه من العبيد . أسأل الله دوام الرضا واللطف فيما قضى
    ( 32 )
    إلهي قد دفعتني العوالم إليك وقد أوقفني علمي بكرمك عليك
    أي قد دفعتني العوالم - التي استوحشتُ منها لعجزها وفقرها - إليك فكلما توجهت إلى أحد ليعطيني أو ينصرني يقول : لا معطي ولا ناصر إلا الله فجعلت معتمدي عليك فإن الكريم لا تتخطاه الآمال . أسأل الله أن يصلح لنا الحال والمآل
    ( 33 )
    إلهي كيف أخيب وأنت أملي أم كيف أهان وعليك متكلي ؟
    ص 211 - إلهي كيف أستعز
    أي كيف تحصل لي خيبة وعدم ظفر بالمقصود وأنت أملي الذي عطاؤك غير محدود ؟ أم كيف يحصل لي الهوان وعليك يا قوي يا متين متكلي ؟
    ( 34 )
    إلهي كيف أستعز وأنت في الذلة أركزتني أم كيف لا أستعز وإليك نسبتي ؟ أم كيف لا أفتقر وأنت الذي في الفقر أقمتني أم كيف أفتقر وأنت بجودك أغنيتني ؟
    قد تلون في هذه الأوصاف المتضادة لما تلون عليه من مشاهدة ما يوجبها فإذا شاهد أن الله أركزه في الذلة - بكسر الذال المعجمة - أي ذل النفس وجعلها مركزاً له قال : كيف أستعز وأنت في الذلة أركزتني ؟ وإذا شاهد أن الله نسبه إليه نسبة خاصة بإفاضة الأنوار عليه المقتضية لإعزامه وإكرامه قال : كيف لا أستعز وإليك نسبتي وإذا شاهد الفقر الذاتي الذي هو صفة له قال : كيف لا أفتقر وأنت في الفقر أقمتني ؟ وإذا شاهد أن الله أفاض عليه مواهب إحسانه قال : كيف أفتقر وأنت الذي بجودك أغنيتني ؟ فالفقر ذاتي للعبد والغنى عارض بإغناء الله له فلا منافاة بين هذه الأوصاف التي وردت بحسب المشاهد المجملة
    (
    أنت الذي لا إله غيرك تعرفت لكل شيء فما جهلك شيء وأنت الذي تعرفت إلي في كل شيء فرأيتك ظاهراً في كل شيء فأنت الظاهر لكل شيء )
    أي تعرفت لكل شيء بما أودعته فيه من النور حتى عرفك فما جهلك شيء حتى الحيوانات العجم بشهادة : { وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ } ( 44 ) الإسراء ومن حصل منه الجهل والكفر في حالة الاختيار فإنه يرجع عن جهله في حالة الاضطرار . ويزول عنك أيها المريد هذا الاشتباه بتلاوة : { وَإِذَا مَسَّكُمْ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ } ( 67 ) الإسراء . وقوله : وأنت الذي تعرفت إليَّ أي بما أودعته في قلبي من أنوار المعرفة واليقين فرأيتك ظاهراً في كل شيء . وفرّع
    ص 212
    على ذلك قوله : فأنت الظاهر لكل شيء
    (
    يا من استوى برحمانيته على عرشه فصار العرش غيباً في رحمانيته كما صارت العوالم غيباً في عرشه محقت الآثار بالآثار ومحوت الأغيار بمحيطات أفلاك الأنوار )
    قال ابن عباد : كأنه أشار بهذا إلى معنى قوله تعالى : { الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى } ( 5 ) طه وقوله تعالى : { ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَانُ } ( 59 ) الفرقان ورحمانية الله تعالى كونه رحماناً والرحمن اسم لله تعالى يقتضي وجود كل موجود وهو مشتق من الرحمة والرحمة هاهنا هي الرحمة العامة التي وسعت كل شيء كما وسع علمه كل شيء في قوله تعالى مخبراً عن حملة العرش إذ قالوا : { رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا } ( 7 ) غافر ولذلك دخلت تحت مقتضى اسمه تعالى ( الرحمن ) جميع أسمائه تعالى الإيجادية ويفهم من معنى الاستواء القهر والغلبة ومقتضاهما في حق الله تعالى أن لا يكون لغيره وجود مع وجوده ولا ظهور مع ظهوره فلا جرم لمّا كان الحق تعالى مستوياً برحمانيته على عرشه الذي العوالم كلها في طيه كان العرش غيباً في الرحمانية والعوالم كلها غيباً في العرش لأنها في طيه فلا ظهور إذاً للعرش ولا للعوالم وإنما الظهور التام لله تعالى . آه ولذا قال : محقت الآثار أي العوالم بالآثار أي العرش ومحوت
    2 - ص 213 - يا من احتجب
    الأغيار أي العرش بمحيطات أفلاك الأنوار أي الرحمة الشبيهة بالأفلاك المحيطة بالعرش
    (
    يا من احتجب في سرادقات عزه عن أن تدركه الأبصار يا من تجلى بكمال بهائه فتحققت عظمته الأسرار . كيف تخفى وأنت الظاهر أم كيف تغيب وأنت الرقيب الحاضر ؟ والله الموفق وبه أستعين )
    أي يا من امتنع بعزه المنيع الشبيه السرادقات - بضم السين المهملة جمع سرادق وهي في الأصل الخيمة التي تمد فوق صحن الدار - فكما أن الخيمة تمنع من رؤية ما بعدها فكذلك عزة الله أي قوته العظيمة تمنع الأبصار عن رؤيته تعالى . وقوله : يا من تجلى . . أي على قلوب العارفين . بكمال بهائه أي ببهائه الكامل والمراد محاسن صفاته الجمالية والجلالية . فتحققت عظمته الأسرار أي بواطن القلوب . كيف تخفى وأنت الظاهر في جميع الأشياء أم كيف تغيب وأنت الرقيب ؟ أي المراقب لنا الحاضر معنا . قال تعالى : { وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } ( 4 ) الحديد وقد تقدم معنى هذا الكلام للمصنف مراراً ولحلاوته لا سيما في المناجاة زاده تكراراً فإن المكرر أحلى وعند ذوي العرفان أعلى . كما قال بعض العاشقين :
    وحدثتني يا سعد عنها فزدتني حياة فزدني من حديثك يا سعدُ

      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين ديسمبر 05, 2016 1:32 am