سلطان العاشقين

منتديات سلطان العاشقين يسرها ان ترحب بكم في رحابها املين ان تكونوا سعداء بما تطلعون عليه 0 واقبلوا محبتنا
سلطان العاشقين

اسلامى شامل

المواضيع الأخيرة

» أستاذى الكريم الصحفى الكبير فيصل محمد عوكل.............
الإثنين ديسمبر 01, 2014 6:10 am من طرف عبدالقـــادر

» ارخص اسعار الحج السياحى طيران من مصر مع سلطانة تورز 2014
السبت يونيو 07, 2014 3:59 am من طرف احمد تركى

» فك السحر فك العمل فك المس علاج المس فلاج قراني للسحر
الخميس ديسمبر 26, 2013 11:00 am من طرف انا فيروز

» بشـــــــــــــــــــرى لكـــــــل ربــه منزل وسيده اخيــــــــرا
الإثنين ديسمبر 02, 2013 12:47 pm من طرف انا فيروز

» الهي ادعوك وارجوك فما من اله غيرك يدعى فيرجى فيجيب الا انت يا الله
الأحد أكتوبر 21, 2012 1:05 am من طرف amho2005

» عيد الاضحىالمبارك اعاده الله علينا وعليكموعلى كل من قال لااله الا الله محمد رسول الله بكل الخير والسلام
السبت أكتوبر 13, 2012 8:08 am من طرف سلطان العاشقين

» يسرنا نحن مكتب أبراج مكة للعمرة والزيارة أن نقدم خدماتنا لزيارة مكة المكرمة والمدينة المنورة وأداء مناسك العمرة . وخدماتنا متمثلة في :
الخميس يونيو 28, 2012 2:50 am من طرف سلطان العاشقين

» عجبت لابن ادم كيف لايسال مولاه في كل حال فيما يريد 00 ويسال الخلق الحلول
الثلاثاء يونيو 26, 2012 11:49 am من طرف سلطان العاشقين

» الحب الحب لله والحب بالله 0 والحب لكل ماخلق الله 0 الحب طريق الايمان
الأربعاء مايو 30, 2012 1:47 am من طرف سلطان العاشقين

التبادل الاعلاني


    كتاب شرح الحكم العطائية سيدي بن عطاء الله السكندري

    شاطر

    عبدالله محمد
    نائب المدير والاداره
    نائب المدير والاداره

    عدد المساهمات : 171
    تاريخ التسجيل : 13/10/2008
    العمر : 48
    الموقع : بحر الشمال جزيرة ارهوس

    كتاب شرح الحكم العطائية سيدي بن عطاء الله السكندري

    مُساهمة من طرف عبدالله محمد في الخميس أكتوبر 16, 2008 1:14 pm

    كتاب شرح الحكم العطائية
    مقدمة ص 13
    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله الذي عطاؤه قِسَم وصُنعهُ حكم . والصلاة والسلام على أفضلِ من نصح وأعدلِ من حكم سيدنا محمد سيدِ الأولين والآخرين وعلى آله وصحبه أجمعين
    ( وبعد ) فيقول أفقر العباد إلى مولاه الغني عبد المجيد الشرنوبي الأزهري - بلّغه الله الأمل ووفقه لصالح العمل - : لما كانت حكم السيد السري العارف بالله تعالى سيدي أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن عطاء الله السكندري مِنْ أنفع ما يَتَوَصَّلُ به المريد إلى معرفة طريق العارفين الموصلة إلى ذي العرش المجيد لاشتمالها على دقائق التوحيد المنيفة مع اختصار عباراتها الرائقة اللطيفة أردت أن أشرحها بشرح وسط خال من التطويل والغلط يراه الناظر لها كالمصباح ويتحقق أنه ثمرة ما غرسه الشراح . فإني دخلت بستان العارفين الأعلام واجتنيت يانع الثمرات من حدائق الأفهام وقربت للجاني الجنى ورجوت من الله بلوغ المنى مع اعترافي بأن باعي قصير وذهني كليل لكن أردت التشبه بهؤلاء السادة على حد ما قيل :
    فَتَشَبَّهوا أن لم تكونُوا مثلَهم إن التَّشَبُّهَ بالكرام فلاح
    وقد اختبرتها بالعد فإذا هي مائتان وأربع وستون حكمة غير مكاتباته لبعض إخوانه ومناجاته المشتملة على الحكم المهمة فاخترت أن أذكر كل حكمة بتمامها بين قوسين وأتبعها بالشرح ليقرب للناظر فهمها وتقر منه العين . وقصدت بذلك دخولي في عداد من خدم حكم هذا العارف الكبير راجياً الاستمداد من بحر أفضاله فإنه ذو المدد الشهير وقد فتح على كثير من أهل الأزهر ببركاته . نفعنا الله به وأعاد علينا من باهر نفحاته
    كان رضي الله عنه ترجمان الحقيقة ومعدن السلوك والطريقة مالكي المذهب نشأ بالإسكندرية وكانت وفاته سنة تسع وسبعمائة بمصر المحمية وعلى مقامه في سفح الجبل من الأنوار ما يبهر الزوار
    ثم اعلم أن الحكم جمع حكمة وهي كل كلمة حصل لك بها نفع وقال العلامة الأمير : الحِكَم جمع حكمة وهي العلم النافع وليس ذلك إلا علم الشريعة الشامل للفقه والتوحيد والتصوف لكن لما كان علم التصوف هو العلم الباحث عن تهذيب النفس وتصفيتها من الصفات المذمومة والتنبيه على ما يعرض للعبادات والمعاملات من الآفات المهلكة كالكِبْر والرياء والعجب وتعريف الطرق المخلصة من ذلك كان أنفع العلوم فخص باسم الحكم ا ه
    الحِكَم
    - نقصان الرجاء عند الاعتماد على العمل . . ص 14
    وهذا أوان الشروع في المقصود . فأقول متوسلاً في القبول بحبيب الملك المعبود :
    قال العارف رضي الله عنه :
    من علامة الاعتمادِ على العَمَلِ نُقْصانُ الرَّجاءِ عند وجودِ الزَّللِ
    يعني أن من علامات تعويل العامل على عمله أن ينقص رجاؤه في رحمة الله عند وجود زلله . ومفهومه رجحان الرجاء عند التحلي بالعمل والتخلي عن الزلل وهذه الحكمة إنما تناسب العارفين الذين يشاهدون أن الأعمال كلها من رب العالمين لملاحظتهم قوله سبحانه في كتابه المكنون : { وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } ( 96 ) الصافات
    ص 15
    تَعْمَلُونَ } فلا يعظم رجاؤهم بالأعمال الصالحة حيث إنهم لا يشاهدون لأنفسهم عملاً ولا ينقص أملهم في رحمة الله إذا قصروا في الطاعة أو اكتسبوا زللا لأنهم غرقى في بحار الرضا بالأقدار متمسكون بحبل قضاء { وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ } ( 68 ) القصص فإن الرضا بالقضاء واجب من حيث إرادته له ومذموم من حيث الكسب ما انفكت الجهة . وقد قال المصنف في بعض قصائده :
    ولا يَمْنَعْهُ ذنبٌ من رَجَاءٍ فإنَّ الله غَفارُ الذُّنوب
    وأما السالكون فإنما يناسبهم الفرح بصالح العمل وتقديم الخوف المستلزم لنقصان الرجاء عند وجود الزلل على حد قول الإمام الدردير :
    وغَلِّبِ الخوفَ على الرجاءِ وسِرْ لمولاك بلا تناءِ
    لا سيما في هذه الأزمنة التي رقت فيها الديانة وكثرت الجراءة على المعاصي وقلَّتْ فيه الأمانة . فإن الله تعالى جعل الأعمال الصالحة سبباً لرفع الدرجات بدار القرار والأعمال الطالحة موجبة للدرك الأسفل من النار قال تعالى : { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ( 5 ) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ( 6 ) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ( 7 ) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى ( 8 ) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ( 9 ) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ( 10 ) } الليل وإنما بدأ المصنف بما يناسب مقام العارفين وإن كان مقتضى الترقي البداءة بمقام السالكين من الحث على حسن المتاب والتمسك بالأسباب الموصلة إلى الكريم التواب ليكون السالك حسن البداية التي بها تشرق النهاية . فمقصوده بهذه الحكمة تنشيط السالك المجد في الأعمال ورفع همته عن الاعتماد عليها واعتماده على محض فضل ذي العزة والجلال . كما أشار لذلك ابن الفارض بقوله :
    التجريد المقبول . .

    عبدالله محمد
    نائب المدير والاداره
    نائب المدير والاداره

    عدد المساهمات : 171
    تاريخ التسجيل : 13/10/2008
    العمر : 48
    الموقع : بحر الشمال جزيرة ارهوس

    رد: كتاب شرح الحكم العطائية سيدي بن عطاء الله السكندري

    مُساهمة من طرف عبدالله محمد في الخميس أكتوبر 16, 2008 1:17 pm

    ص 16
    تمسَّكْ بأذيالِ الهوى واخلَعِ الحَيا وخلِّ سبيلَ النَّاسكينَ وإنْ جَلُّوا
    فإنه لم يُرِدْ الأمرَ بترك العبادة لأنه كان من أعظم العُبَّاد بل أراد عدم التعويل عليها والاعتماد على فضل الكريم الجواد . وفي الحديث : " لن يُدْخِلَ أحداً عملُهُ الجنة " قالوا : ولا أنت يا رسول الله . قال : " ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضله ورحمته " . وقد جُمع بين هذا الحديث و آية : { ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } النحل ( 32 ) بأن العمل لا يكون معتبراً إلا إذا كان مقبولاً وقبوله بمحض الفضل فصح أن دخول الجنة بمحض فضل الله وأن العمل سبب ظاهري متوقَّف عليه . والله تعالى يوفقنا لما فيه رضاه
    ( 2 ) إرادتُكَ التجريدَ مع إقامةِ الله إِيَّاكَ في الأسباب من الشَّهوة الخفيةِ وإرادتُكَ الأسبابَ مع إقامةِ الله إِيَّاكَ في التجريد انحطاطٌ عن الهِمَّةِ العَلَيَّةِ
    يعني أن عزمك - أيها المريد - على التجرد أي لتخلص من الأسباب التي أقامك الله فيها كطلب الرزق الحلال والاشتغال بالعلم الظاهر من الشهوة الخفية . أما كونها من الشهوة فلعدم وقوفك مع مراد مولاك وأما كونها خفية فلكونك لم تقصد بذلك حظ نفسك في العاجل بل التقرّب بالتجرد لمن خلقك وسوَّاك فقد زينت لك النفس بالدسيسة الخفية الخروج عن الأسباب التي أقامك فيها العزيز الوهاب
    الأسباب والقضاء . . تنوع الواردات بتنوع الأعمال . . ص 17
    وكذلك إرادتك الأسباب الشاغلة عن الله الكريم مع إقامته إياك في التجريد ورزقك من حيث لا تحتسب بفضله العميم انحطاطٌ عن الهمة العلية لأن ذلك رجوع من الحق إلى الخلق وهي رتبة دنية . فالزم - أيها المريد - ما رضيه لك العزيز الحميد . فإنَّ ما أدخلك الله فيه تولى إعانتك عليه وما دخلت فيه بنفسك وكلك إليه { وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا } ( 80 ) الإسراء . فالمدخل الصدق أن تدخل فيه لا بنفسك والمخرج الصدق أن تخرج لا بنفسك بل بربك . { وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } ( 101 ) آل عمران
    فكن حيث أقامك الله ذو الفضل العظيم . وعلامة الإقامة حصول الاستقامة وتيسير الأسباب من الكريم الوهاب
    ( 3 ) سَوابِقُ الهِمَمِ لا تَخْرِقُ أَسْوارَ الأَقْدَارِ
    هذه الحكمة كالتعليل لما قبلها وتوطئة لما بعدها . يعني أن ما قدره الله في الأزل لا تَخْرِقُ أسوارَه المحيطة به - فضلاَ عن أن تصل إليه - سوابقُ الهمم أي لهمم السوابق وهي قوى النفس التي تنفعل عنها الأشياء بإرادة الله تعالى وتكون للولي كرامة ولغيره كالساحر والعائن إهانة . وفيه تشبيه الأقدار بمدينة لها أسوار في الصيانة والحفظ على سبيل المكنية . أي جب عليك - أيها المريد - أن تعتقد أن الهمم أسباب عادية لا تأثير لها وما ينشأ عنها إنما هو بقضاء الله تعالى وقدره فيكون عندها لا بها . فإرادتك خلاف ما أراده مولاك لا تجدي نفعاً ولا تأثيراً لها في الحقيقة حتى تظن أنها توجب لك رفعاً
    ( 4 ) أرِحْ نَفْسَكَ مِنَ التَّدْبِيرِ فما قامَ بهِ غيرُكَ عنْكَ لا تَقُم بهِ لنفسِكَ
    يعني : أرح نفسك من تعب التدبير المنافي للعبودية بأن تقول : لولا
    انطماس بصيرة الإنسان بتقصيره فيما طلب منه . . ص 18
    فعلت كذا ما كان كذا فإن الله تعالى دبر الأشياء في سابق علمه وما قام به غيرك عنك لا تقوم به لنفسك فإنك عاجز عن القيام به . وأما التدبير المصحوب بالتفويض للعليم الخبير فلا بأس به لقوله صلى الله عليه وسلم : " التدبير نصف المعيشة " وللمصنف كتاب سماه ( التنوير في إسقاط التدبير ) راجعه أن شئت . فإن هذه المسألة أساس طريق القوم
    ( 5 ) اجتهادُكَ فيما ضَمِنَ لكَ وتقصيرُكَ فيما طَلَبَ منكَ دليلٌ على انْطماسِ البصيرةِ منْكَ
    يعني : أن اجتهادك - أيها المريد - في طلب ما ضَمِنَ أي كفل الله لك به من الرزق بنحو قوله تعالى : { وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا } هود ( 6 ) . وتقصيرك أي تفريطك فيما طلب منك من العبادة بنحو قوله تعالى : { يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ } البقرة ( 21 ) . دليل وبرهان على انطماس أي عمى البصيرة منك وهي عين في القلب تُدْرَكُ بها الأمور المعنوية كما أن العين الباصرة تُدْرَكُ بها الأمور الحسية . وفُهِمَ من المصنف أن دليل انطماس
    عدم اليأس من تأخير عطاء الله . . ص 19
    البصيرة هو اجتماع الأمرين أعني الاجتهاد في طلب الرزق مع التقصير في العمل وأخبر عن الأمرين بقوله : ( دليل ) لأن فعيلاً يستوي فيه المفرد وغيره . وأما إذا اجتهد في طلب الرزق الحلال من غير تقصير في العبادة فإنه يدخل في حديث : " من بات كالاً من طلب الحلال بات مغفوراً له "
    ( 6 ) لا يكُنْ تَأخُّرُ أَمَد العَطاء مَعَ الإلْحاح في الدّعَاءِ موجبَاً ليأسِك فهو ضَمِنَ لَكَ الإجابَةَ فيما يختارُهُ لكَ لا فيما تختاره لنَفْسكَ وفي الوقْتِ الذي يريدُ لا في الوقْت الذي تُريدُ
    أي لا يكن تأخر وقت العطاء المطلوب مع الإلحاح أي المدوامة في الدعاء موجباً ليأسك من إجابة الدعاء فهو سبحانه ضمن لك الإجابة بقوله : { ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } ( 60 ) غافر فيما يختاره لك لا فيما تختاره لنفسك فإنه أعلم بما يصلح لك منك . فربما طلبت شيئاً كان الأولى منعه عنك فيكون المنع عين العطاء . كما قال المصنف فيما يأتي : ربما منعك فأعطاك وربما أعطاك فمنعك . يشهد ذلك مَنْ تَحَقَّقَ بمقام { وَعَسى أن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } ( 216 ) البقرة ولذا قال بعض العارفين : ومَنْعُكَ في التحقيق ذا عين إعطائي . وكذلك ضمن لك الإجابة في الوقت الذي يريد لا في الوقت الذي تريد . فكن موسويَّ الصبر فإن الصبر وعدم الاستعجال أولى بالعبيد . ألا ترى أن موسى كان يدعو على فرعون وقومه
    عدم الشك في وعد الله . . ص 20
    وهارون يؤمن على قوله : { رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ } ( 88 ) يونس إلى آخر ما قص الله في كتابه المكنون وبعد أربعين سنة حصل المدعوُّ به وقال : { قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ } ( 89 ) يونس . وفي الحديث : " أن الله يحب الملحين في الدعاء " . وورد : أن العبد الصالح إذا دعا الله تعالى قال جبريل : يا رب عبدك فلان اقض حاجته فيقول : " دعوا عبدي فإني أحب أن أسمع صوته " . فقم - أيها
    المريد - بما أمرك الله به من الدعاء وسلم له مراده . فربما أجابك وادخر لك بدل مطلوبك ما تنال به الحسنى وزيادة
    ( 7 ) لا يشككنك في الوعد عدم وقوعِ الموعود . وإن تَعَيَّن زمنُه لئلا يكونَ ذلك قَدْحاً في بصيرتِكَ وإخماداً لنور سريرتك
    هذه الحكمة أعم مما قبلها فإن الموعود به في تلك خصوص الإجابة وفي هذه أعم لأنه يشمل ما إذا كان الوعد من الله بإلهام رحماني بأن ألهمك أنه يحصل لك في الوقت الفلاني فتح أو يحصل في هذا العام كذا كما يقع
    كيف أن الأمراض والبلايا والفاقات تكون سبباً من أسباب معرفة الله تعالى . . ص 21
    لبعض الأولياء فيخبر بذلك ثم لا يحصل . فإذا حصل لك - أيها المريد - مثل ذلك ثم تأخر الموعود به فلا تشك فيما وعدك الله به وإن تعين زمنه وبالأولى إذا لم يتعين لئلا يكون ذلك الشك قدحاً أي نقصاً في بصيرتك وإخماداً أي إطفاءً لنور سريرتك التي هي عين القلب فهي مرادفة للبصيرة وذلك لجواز أن يكون وقوع ذلك الموعود معلقاً على أسباب وشروط لم تحصل . فالعارف من تأدب مع ربه ولم يتزلزل عند تأخر ما وعده به
    ( 8 ) إذا فتحَ لكَ وِجْهةً من التَّعرُّفِ فلا تبالِ معها أن قلَّ عملُكَ فإنه ما فَتَحَها لك إلا وهو يريد أن يتعرَّفَ إليكَ . ألم تعلم أن التَّعَرُّفَ هو مُورِدُهُ عليك والأعمال أنت مهديها إليه وأين ما تُهديه إليه مما هو مُورِدُهُ عليكَ
    يعني إذا فتح لك الفتاح - أيها المريد - وجهة أي جهة من جهات التعرف وتلك الجهة كالأمراض والبلايا والفاقات فإنها سبب لمعرفة الله تعالى بصفاته كاللطف والقهر وغيرهما . والمخاطب بذلك المتيقظ دون المرتبك في حبال الغفلة الذي يسخط عند نزولها . فلا تبال معها أيها المريد أن قل عملك أي بقلة عملك - فهمزة أن مفتوحة منسكبة مع ما بعدها بمصدر مجرور بالباء المقدرة المتعلقة بتبال - أي لا تغتمَّ مع تلك الجهة ولا تهتم بقلة الأعمال . فإن الله تعالى يقول في الحديث القدسي : " إذا ابتليت عبدي المؤمن فلم يشكني إلى عواده أنشطته من عقالي وأبدلته لحماً خيراً من لحمه ودماً خيراً من دمه وليستأنف العمل " . يعني أنه يخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ولا يحاسب على الأعمال السيئة السالفة . وورد : أن الله تعالى يقول للكرام الكاتبين عند مرض عبده
    تنوع الواردات بتنوع الأعمال . . ص 22
    المؤمن : " اكتبوا لعبدي ما كان يعمل صحيحاً مقيماً " فصح أنه ما فتحها أي لك الجهة لك إلا وهو يرد أن يتعرف إليك بواسع فضله عليك . ولا شك أن هذا أعظم من كثرة الأعمال التي تطالب بوجود سر الإخلاص فيها . كما أشار إلى ذلك بالاستفهام التقريري بقوله : ألم تعلم أن التعرف هو مورده عليك . . . الخ
    ( 9 ) تَنوَّعتْ أجناسُ الأعمالِ لتنوُّعِ وارداتِ الأحوالِ
    أي اختلفت أجناس الأعمال الظاهرة لاختلاف الواردات التي هي الأحوال القائمة بالقلب فإن الواردات ما يرد على القلب من المعارف والأسرار والأعمال الظاهرة تابعة لأحوال القلب . لما في الحديث : " ألا وإنَّ في الجسد مضغةً إذا صَلَحت صَلَحَ الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب " . فإذا ورد على القلب العلم بفضائل قيام الليل توجه إليه وآثره على غيره فتقوم به الجوارح . وكذلك الصدقة والصيام وباقي الأعمال
    الإخلاص روح الأعمال وسر قبولها .

    عبدالله محمد
    نائب المدير والاداره
    نائب المدير والاداره

    عدد المساهمات : 171
    تاريخ التسجيل : 13/10/2008
    العمر : 48
    الموقع : بحر الشمال جزيرة ارهوس

    رد: كتاب شرح الحكم العطائية سيدي بن عطاء الله السكندري

    مُساهمة من طرف عبدالله محمد في الخميس أكتوبر 16, 2008 1:19 pm

    ص 23
    ( 10 ) الأعمالُ صُوَرٌ قائمةٌ وأرواحُها وجودُ سِرِّ الإخلاص فِيهَا
    يعني أن أعمال البر كصور قائمة أي أشباح وأرواحها التي بها حياتها وجود سر الإخلاص أي سرٌّ هو الإخلاص فيها . فمن عمل عملاً بلا إخلاص كان كمن أهدى جارية ميتة للأمير يبتغي بها الثواب وهو لا يستحق على ذلك إلا أنواع العقاب والمراد مطلق الإخلاص الشامل لأنواعه فإنه يختلف باختلاف الأشخاص . فإخلاص العُبَّاد سلامةُ أعمالهم من الرياء الجلي والخفي وكل ما فيه حظ للنفس فلا يعملون العمل إلا لله تعالى طلباً للثواب وهرباً من العقاب . وإخلاص المحبين هو العمل لله إجلالاً وتعظيماً لأنه تعالى أهل لذلك لا لقصد شيء مما ذكر . كما قالت رابعة العدوية :
    كلُّهم يعبدوك من خوف نار ويرون النجاة حظاً جزيلا
    أو بأن يسكنوا الجِنانَ فيحظُوا بقصور ويشربوا سلسبيلا
    ليس لي بالجِنانِ و النار حظ أنا لا أبتغي بحبي بديلا
    وأما إخلاص المقربين فهو شهودهم انفراد الحق بتحريكهم وتسكينهم مع التبرؤ من الحول والقوة فلا يعملون إلا بالله ولا يرون لأنفسهم عملاً
    عدم صدق السالك إذا ما أحب الشهرة وبعد الصيت . . ص 24
    ( 11 ) ادْفِنْ وجودَك في أرضِ الخمولِ فما نَبَتَ مما لم يُدْفَنْ لا يَتِمُّ نَتَاجُه
    أي ادفن - أيها المريد - نفسك أي شهرتها في الخمول الذي هو كالأرض للميت في التغطية التامة بأن لا تتعاطى أسباب الشهرة . فإن الخمول مما يعين على الإخلاص بخلاف حب الظهور فإنه من جملة القواطع القاصمة للظهور . فما نبت من الحَب مما لم يدفن في الأرض لا يتم نتاجه بل يخرج مصفراً . وكذلك أنت - أيها المريد - إذا تعاطيت أسباب الشهرة في بدايتك قل أن تفلح في نهايتك . ومن ثَمَّ قال رجل لبشر بن الحارث : أوصني فقال : أخمل ذكرك وأطب مطعمك . وقال بعضهم : لا تصلح طريقتنا هذه إلا لأقوام كُنست بأرواحهم المزابل . وقال إبراهيم بن أدهم : ما صدق الله من أحب الشهرة . ولله در القائل :
    العزلة تنفع القلب فكرة وعدّة . . ص 25
    عِشْ خامل الذكر بين الناسِ وارضَ به فذاك أسلمُ في الدنيا وفي الدين
    مَنْ عاشرَ النَّاسَ لم تسلمْ ديانَتُهُ ولم يزَلْ بين تحريكِ وتسكينِ
    ( 12 ) ما نَفَعَ القلبَ مثلُ عُزْلَةٍ يدخلُ بها مَيْدَانَ فكرة
    أي ا نفع قلبَ المريد شيءٌ من الأشياء المطهرِّة له من الغفلات مثل عزلة عن الخلق يدخل بها ميدان فكرة أي تفكر في مصنوعات بارئ الأرض والسماوات . وإضافة ميدان لفكرة من إضافة المشبه به للمشبه أي فكرة شبيهة بالميدان لتردد القلب فيها كتردد الخيل في الميدان . وفي الحديث : " تفكر ساعة خير من عبادة سبعين سنة " وذلك لأنه يوصل إلى معرفة حقائق الأشياء وتزداد به معرفة الله ويطلع به المتفكر على خفايا آفات النفس ومكائد الشيطان وغرور الدنيا . والعزلة التي ينشأ عنها هذا الفكر أحد أركان الطريق الأربعة المجموعة في قول بعضهم :
    بيتُ الولاية قُسِّمَتْ أركانَهُ سادتُنا فيه من الأبدالِ
    ما بين صمتٍ واعتزالٍ دائمٍ والجوعِ والسّهرِ النزيهِ الغالي
    امتناع حصول لذة المعرفة بالله لمن لم يفق من غفلاته . . ص 26
    يوضحها قول الإمام أحمد بن سهل : أعداؤك أربعة : الدنيا وسلاحها الخَلقْ وسجنها العزلة . والشيطان وسلاحه الشبع وسجنه الجوع . والنفس وسلاحها النوم وسجنها السهر . والهوى وسلاحه الكلام وسجنه الصمت . واعلم أن الشأن في العزلة أن تكون بالقلب والقالب بأن يتباعد صاحبها عن الخلق . وقد تكون بالقلب فقط بأن يختلط بجسمه معهم مع تعلق قلبه بالحق كما قالت رابعة العدوية في مقام المشاهدة القلبية :
    ولقد جعلتُك في الفؤاد محدَّثي وأبحتُ جسمي مَنْ أراد جلوسي
    فالجسمُ مني للجليسِ مؤانسٌ وحبيبُ قلبي في الفؤاد أنيسي
    ( 13 ) كيف يُشرقُ قَلْبٌ صُوَرُ الأكوانِ مُنْطَبِعَةٌ في مرآته ؟ أمْ كيف يرحلُ إلى الله وهو مكَبَّلٌ بشَهواته ؟ أم كيف يطمع أن يدخل حضرةَ الله وهو لم يتطهَّر من جَنَابَةِ غَفَلاتِهِ ؟ أم كيف يرجو أن يفهم دقائقَ الأسرارِ وهو لم يَتُبْ من هَفَواتِهِ ؟
    هذه الحكمة كالتوجيه للحكمة التي قبلها وذلك لأن العزلة المصحوبة بالفكرة يتخلى القلب بها عن الأغيار وبها يرحل إلى الله ويدخل حضرته ويتحلى بفهم دقائق الأسرار . وأما القلب الذي طُبعت في مرآته صوَرُ المكونات فاشتغل بها وصار مكبلاً أي مقيداً بالشهوات فإنه لا ينال الإشراق ولا
    ظهور الحق أصل إنارة الكون . . ص 27
    يدخل في حضرة الكريم الخلاق لأنه لم يتطهر من غفلاته الشبيهة بالجنابة فيُمنع منها كما يُمنع الجنب من المسجد الذي هو محل المناجاة والاستجابة والاستفهام في المواضع الأربعة إنكاري بمعنى النفي أي لا يكون إشراق القلب مع انطباع صور الأكوان التي هي كالظلمة في مرآته أي محل ناظره الذي هو البصيرة لما في ذلك من الجمع بين الضدين ولا يمكنه الرحيل إلى الله بقطع عقبات النفس مع كونه مكبلاً بشهواته للجمع المذكور ولا يدخل حضرة الله أي دائرة ولايته المقتضية للطهارة مع كونه لم يتطهر من جنابة غفلاته لذلك الجمع ولا يرجو أن يفهم دقائق الأسرار المتوقفة على التحرز من المعاصي مع كونه لم يتب من هفواته لذلك فالمطالب أربعة : إشراق القلب والرحيل إلى الحضرة ودخولها والإطلاع على أسرارها . وكلٌ وسيلة لما بعده . والموانع أربعة : انطباع صور الأكوان في عين القلب والتكبل بالشهوات وعدم التطهير من جنابة الغفلات وترك التوبة من الهفوات
    ( 14 ) الكونُ كلُّه ظُلْمةٌ وإنَّما أنارَهُ ظهورُ الحقِّ فيه فمن رأى الكونَ ولم يشهدُهُ فيه أو عنده أو قَبْلَه أو بَعْدَه فقد أَعْوَزَهُ وجودُ الأنوارِ وحُجبَتْ عنه شموسُ المعارفِ بسُحُبِ الآثار
    أي أن الكون بالنظر إلى ذاته كلُّه ظلمة أي دم محض لأنه لا وجود له بذاته وإنما أناره أي أوجده ظهورُ الحق تعالى فيه أي ظهور إيجاد وتعريف لا ظهور حلول وتكييف بمعنى أنه تجلى عليه بذاته وقال له كن فكان وهو قادر على إعدامه في الحال والاستقبال فليس ثمَّ إلا مبدع الأكوان
    ثم أن من الناس مَنْ حجبه الكونُ أي المكونات عن المكون تعالى فلم يشهده سبحانه أي فلم يشاهد تأثيره فيه وهو الذي قد أعوزه أي فاته وجود الأنوار فصار محتاجاً لها لفقدها عنده وحجبت أي غابت عنه شموس المعارف أي المعارف التي هي كالشموس في إظهار الأشياء والكشف عن
    دليل قدرة الله الناس عن رؤيته بالكائنات وهي عدم بالنسبة إليه تعالى

    عبدالله محمد
    نائب المدير والاداره
    نائب المدير والاداره

    عدد المساهمات : 171
    تاريخ التسجيل : 13/10/2008
    العمر : 48
    الموقع : بحر الشمال جزيرة ارهوس

    رد: كتاب شرح الحكم العطائية سيدي بن عطاء الله السكندري

    مُساهمة من طرف عبدالله محمد في الخميس أكتوبر 16, 2008 1:21 pm

    ص 28
    حقائقها فإضافة شموس إلى المعارف من إضافة المشبه به للمشبه كإضافة سحب إلى الآثار أي الآثار - جمع أثر - بمعنى المكوَّنات الشبيهة بالسُّحب بضمتين جمع سحاب قد منعتْ عنه المعارف الشبيهة بالشموس الكاشفة عنه الحقائق الموصلة إلى حضرة القدوس ومن الناس من لم يحجبه الكون عن المكوِّن سبحانه وتعالى بل شهده فيه بتأثيره وعنده بحفظه وتدبيره وهؤلاء الذين يشهدون الأثر والمؤثر معاً . ومنهم من شهده قبله وهم الذين يستدلون بالمؤثر على الأثر . ومنهم من شهده بعده وهم الذين يستدلون بالأثر على المؤثِّر وهذه الظروف المذكورة في كلام المصنف ليست زمانية ولا مكانية فإن الظروف من جملة الأكوان بل هي اصطلاحات ليس المراد منها ظاهرها عند ذوي العرفان وإنما تدرك بالذوق لا بالتعبير . فقف عند حدك وتمسك بقوله تعالى : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } ( 11 ) الشورى
    ( 15 ) مما يَدُلُّك على وُجُودِ قَهْرِه سبحانه أن حَجَبَك عنه بما ليس بموجودٍ معه
    أي ما يدلك - أيها المريد - على أنه سبحانه القاهر فوق عباده أن حجبك بفتح همزة أن المصدرية المنسكبة مع ما بعدها بمصدر أي حجبك عنه تعالى بالكون الذي ليس بموجود معه لأنك قد علمت أنه ظلمة أي عدم محض من حيث ذاته . فالوجود الحقيقي إنما هو لله تعالى وما سواه لا يوصف عند العارفين بوجود ولا فقد إذ لا يوجد معه غيره لثبوت أحدِيَّتِهِ ولا يفقد إلا ما وجد . وقال سيدي أبو الحسن الشاذلي : إنا لننظر إلى الله تعالى بنظر الإيمان
    قيام الأشياء بالله وكونه سبحانه الحفظ عليها وجودها . . ص 29
    والإيقان فيغنينا ذلك عن الدليل والبرهان ونستدل به على الخلق فإنه ليس في الوجود إلا الواحد الحق فلا نراهم وإن كان ولا بد فنراهم كالهباء في الهواء أن فتشتهم لم تجدهم شيئاً وقال سيدي محي الدين بن العربي : من شهد الخَلْق لا فِعْل لهم فقد فاز ومن شهدهم لا حياة لهم فقد حاز ومن شهدهم عين العدم فقد وصل ومما فيل في هذا المعنى :
    من أبصرَ الخلْق كالسراب فقد ترَقَّى عن الحجابِ
    إلى وجود يراه رَتْقَاً بلا ابتعادٍ و لا اقترابِ
    ولم يشاهدْ به سِوَاه هناك يُهدى إلى الصَّوابِ
    فارفع - أيها المريد - عنك هذا الحجاب واجعل تعلقك برب الأرباب . فإن كل شيء هالك إلا وجهه . ولا يضمن لك الوصول إلى الله إلا هذه الوجهة
    ( 16 ) كَيْفَ يُتَصَوَّرُ أن يَحْجِبَهُ شيءٌ وهو الذي أظهر كل شيء ؟ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ أن يَحْجِبَهُ شيءٌ وهو الذي ظهر بكل شيء ؟ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ أن يَحْجِبَهُ شيءٌ وهو الذي ظهر في كل شيء ؟ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ أن يَحْجِبَهُ شيءٌ وهو الذي ظهر لكل شيء ؟ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ أن يَحْجِبَهُ شيءٌ وهو الظاهرُ قبل وجود كل شيء ؟ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ أن يَحْجِبَهُ شيءٌ وهو أظْهَرُ من كل شيء ؟ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ أن يَحْجِبَهُ شيءٌ وهو الواحد الذي ليس معه شيء ؟
    كَيْفَ يُتَصَوَّرُ أن يَحْجِبَهُ شيءٌ وهو أقرب إليك من كل شيء ؟ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ أن يَحْجِبَهُ شيءٌ ولولاه ما كان وجودُ كل شيء ؟ يا عجباً كيف يَظْهَرُ الوجودُ في العَدَم ؟ أم كيف يثبت الحادثُ مع مَنْ له وصْفُ القِدَم ؟
    بين المصنف في هذه الحكمة الأدلة التي تدل على أنه سبحانه لا يحتجب
    ص 30
    بالأكوان وأتى بها على وجه استبعاد أن يتصور ذلك في الأذهان فقال : كَيْفَ يُتَصَوَّرُ أن يَحْجِبَهُ شيءٌ وهو الذي أظهر كل شيء حيث إنه هو الذي أوجده بعد العدم وما كان وجوده متوقفاً عليه لا يصح أن يحجبه وقوله : ظهر بكل شيء أي من حيث أن كل شيء يدل عليه فإن الأثر يدل على المؤثر
    وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد
    قال تعالى : { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ } ( 53 ) فصلت . وقولُه : ظهر في كل شيء أي من حيث أن الأشياء كلها مجالي ومظاهر لمعاني أسمائه فيظهر في أهل العزة معنى كونه معزاً وفي أهل الذّلة معنى كونه مذلاً وهكذا . . . وقولُه : ظهر لكل شيء أي تجلى لكل شيء حتى عرفه وسبحه . كما قال تعالى :
    { وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ } ( 44 ) الإسراء . وقولُه : وهو الظاهر قبل وجود كل شيء أي فهو الذي وجوده أزلي وأبدي فوجوده ذاتي والذاتي أقوى من العَرَضي فلا يصح أن يكون حاجباً له . وقولُه : وهو أظهر من كل شيء أي لأن الظهور المطلق أقوى من المقيد وإنما لم يُدْرك للعقول مع شدة ظهوره لأن شدة الظهور لا يطيقها الضعفاء كالخفاش يبصر بالليل دون النهار لضعف بصره لا لخفاء النهار على حد ما قيل :
    ما ضرَّ شمسَ الضحى في الأُفْقِ طالعةً أنْ لا يرى ضوءَها مَنْ ليس ذا بصر
    جهل من أراد أن يحدث غير ما أظهره الله . . ص 31
    وقولُه : وهو الواحد الذي ليس معه شيء أي لأن كل ما سواه في الحقيقة عدم محض كما تقدم . وقد قام البرهان على وحدانيته تعالى بقوله سبحانه : { لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا } ( 22 ) الأنبياء . وقولُه : أقرب إليك من كل شيء أي بعلمه وإحاطته وتدبيره . كما قال تعالى في كتابه المجيد : { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } ( 16 ) سورة القرآن . وقولُه : ولولاه ما كان وجود كل شيء هو بمعنى قوله أولاً وهو الذي أظهر كل شيء . ولكون المقصود المبالغة في نفي الحجاب لم يضر هذا التكرار لأن المحل محل إطناب . ثم قال : يا عجبا كيف يَظْهَرُ الوجودُ في العَدَم أي يجتمع معه وهما ضدان . أم كيف يثبت الحادثُ مع مَنْ له وصْفُ القِدَم ؟ حتى يكون حجاباً للعظيم المنان . قال ابن عباد : وهذا الفصل من قولِه : الكون كله ظلمة إلى هنا أبدع فيه المؤلف غاية الإبداع وأتى فيه بما تقر به الأعين وتلذ به الأسماع . فإنه - رضي الله عنه - ذكر جميع متعلقات الظهور وأبطل حجابية كل ظلام ونور وأراك فيه الحق رؤية عيان وبرهان ورفعك من مقام الإيمان إلى أعلى مراتب الإحسان . كل ذلك في أوجز لفظ وأفصح عبارة وأتم تصريح وألطف إشارة . فلو لم يكن في هذا الكتاب إلا هذا الفصل لكان كافياً شافياً فجزاه الله عنا خيراً
    ( 17 ) ما تَرَكَ من الجهل شيئاً مَنْ شيئاً مَنْ أراد أن يَحْدُثَ في الوقت غيرُ ما أظْهَرَهُ اللهُ فيه
    يعني أن من حسن الأدب أن يكون المريد راضياً بما أقامه الله فيه . كما قال بعض العارفين : لي منذ أربعين سنة ما أقامني الله في حال فكرهته ولا نقلني إلى غيره فسخطته
    فإنْ سخط المريدُ الحالة التي يكون عليها وتشوف إلى
    تأخير الأعمال من رعونات النفس . . عدم استحباب طلب الخروج من حالة موافقة للشرع إلى حالة أخرى . . ص 32
    الانتقال عنها بنفسه وأراد أن يحدث غير ما أظهره الله تعالى فقد بلغ غاية الجهل بربه وأساء الأدب في حضرته
    ( 18 ) إحالتك الأعمال على وجود الفراغ من رعونات النفس
    أي إحالتك - أيها المريد - الأعمال الصالحة على وجود الفراغ من أشغال الدنيا تعد من رعونات النفس أي حماقتها لما في ذلك من إيثار الدنيا على الآخرة وأشغال الدنيا لا تنقضي
    فما قضى أحد منها لُبانته ولا انتهى أرب إلا إلى أرَب
    وقال آخر :
    نروح ونغدو لحاجاتنا وحاجات من عاش لا تنقضي
    وقد قالوا : الوقت كالسيف أن لم تقطعه قطعك . وفي الحديث : " ما من يوم إلا وهو ينادي : يا ابن آدم أنا خلق جديد وعلى عملك شهيد فاغتنم مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة "
    ( 19 ) لا تطلب منه أن يخرجك من حالة ليستعملك فيما سواها فلو أرادك لاستعملك من غير إخراج
    أي لا تطلب - أيها المريد - من الله تعالى أن يخرجك من حالة موافقة للشرع دنيوية أو دينية لتوهمك أن غيرها أرقى منها لأنه تخيير على مولاك ولا خِيَرَةَ لك في ذاك . فلو أرادك أي جعلك من أهل إرادته وخاصته لاستعملك استعمالاً محبوباً عنده من غير إخراج من الحالة التي أنت عليها . وأما لو كانت الحالة غير موافقة للشرع فإنه يجب عليك المبادرة وطلب الإخراج منها والانتقال إلى غيرها . كما قال بعض الأكابر :
    فتنة الوقوف عند حالة من المقامات حالة سير السالك أثناء سلوكه . . ص 33
    فإن أقامك عظيم المنة في عمل موافق للسنة
    فهو مقامك الذي يليق بك فلا ترُم خلافه بشهوتك
    لو شاء ربنا العظيم المالك ومن له التصريف في الممالك
    لكنت في المطلوب من غير طلب فارض بحكم الله الزم الأدب
    وأن أقامك هواء الطبع في عمل مخالف للشرع
    فبادر الخروج لا تماطل واقطع بسيف العزم كل حائل
    ( 20 ) ما أرادت همة سالك أن تقف عندما كشف لها إلا ونادته هواتف الحقيقة : الذي تطلب أمامك ولا تبرجت له ظواهر المكونات إلا ونادته حقائقها : { إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ } ( 102 ) البقرة
    أي ما قصد سالك أي سائر إلى الله تعالى أن يقف بهمته عندما كشف لها من الأنوار والأسرار في أثناء السير ظناً منه أنه وصل إلى النهاية في المعرفة إلا ونادته هواتف الحقيقة جمع هاتف وهو ما يُسمع صوته ولا يرى شخصه . أي قالت له بلسان الحال : الذي تطلب أمامك فلا تقف
    وما ألطف قول أبي الحسن التستري في هذا المعنى :
    ولا تلتفت في السير غيراً فكل ما سوى الله غيرٌ فاتخذ ذكره حصنا
    وكل مقام لا تقم فيه إنه حجاب فجُدَّ السر واستنجد العونا
    صحة الدعاء وطلب الحوائج من الله . . ص 34
    ومهما ترى كل المراتب تجتلى عليك فحل عنها فعن مثلها حلنا
    وقل ليس لي في غير ذاتك مطلب فلا صورة تجلى ولا طرفة تجنى
    وقال سلطان العاشقين ابن الفارض :
    قال لي حُسْنُ كل شيء تجلى بي تملى فقلت قصدي وراكا
    لي حبيب أراك فيه معنى غُرَّ غيري وفيه معنى أراكا
    وحد القلب حبه فالتفاتي لك شرك ولا أرى الإشراكا
    وقوله : ولا تبرجت أي أظهرت له زينتها ظواهر المكونات التي هي كالعروس في تبرجها إلا ونادته حقائقها أي بواطنها بلسان الحال : إنما نحن فتنة أي ابتلاء واختبار فلا تكفر أي فلا تفتتن بنا ولا تقف عندنا فتحجب بنا عن معرفة الله التي لا تتناهى في دار البقاء الأبدية فضلاً عن هذه الدار الدنية وهو كفر بحق المنعم جل شأنه . وبالجملة فالوقوف بالهمة على شيء دون الحق خسران والاشتغال بطلب ما يقرب إليه كرامة من الله ورضوان . فجد في الطلب والتزم حسن الأدب
    ( 21 ) طلبك منه اتهام له وطلبك له غيبة منك عنه وطلبك لغيره لقلة حيائك منه وطلبك من غيره لوجود بعدك عنه
    أي طلبك منه تعالى حوائجك معتمداً على الطلب معتقداً أنه لولاه لما

    عبدالله محمد
    نائب المدير والاداره
    نائب المدير والاداره

    عدد المساهمات : 171
    تاريخ التسجيل : 13/10/2008
    العمر : 48
    الموقع : بحر الشمال جزيرة ارهوس

    رد: كتاب شرح الحكم العطائية سيدي بن عطاء الله السكندري

    مُساهمة من طرف عبدالله محمد في الخميس أكتوبر 16, 2008 1:23 pm

    ص 35
    حصل مطلوبك اتهام له تعالى بأنه لا يرزقك إلا بالطلب إذ لو وثقت به في إيصال منافعك إليك من غير سؤال لما طلبت . وأما إذا كان الطلب على وجه التعبد امتثالاً لقوله تعالى : { ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } ( 60 ) غافر فلا يكون معلولاً وبهذا يجمع بين طلب الدعاء والنهي عنه . وكذلك طلبك له تعالى بأن تطلب قربك منه والوصول إليه بعملك غيبة منك عنه إذ الحاضر لا يطلب وهو تعالى أقرب إليك من حبل الوريد . وكذلك طلبك لغيره من الأعراض الدنيوية أو المراتب الأخروية لقلة حيائك منه إذ لو استحيت منه لم تؤثر عليه سواه
    وكذلك طلبك من غيره تعالى غافلاً في حال الطلب عن مولاك إنما يكون لوجود بعدك عنه إذ لو كان قريباً منك لكان غيره بعيداً عنك . فالطلب بأوجهه الأربعة معلول سواء كان متعلقاً بالحق أو الخلق إلا ما كان على وجه التعبد والتأدب واتباع الأمر وإظهار الفاقة
    ( 22 ) ما من نَفَسٍ تبديه إلا وله قدر فيك يمضيه
    النفس بفتح الفاء جزء من الهواء يخرج من باطن البدن في جزء من الزمن والمعنى ليس من نَفَس من أنفاسك تبديه أي تظهره بقدرة الله تعالى إلا وله تعالى فيك قدر بفتح الدال المهملة أي أمر مقدر ناشئ عن قدرته وإرادته . يمضيه أي ينفذه كائناً ما كان فأنت رهن القضاء والقدر في كل نفس وفي كل طرفة عين فكن عبداً لله في كل شيء عطاءً ومنعاً وعزاً وذلاً وقبضاً وبسطاً وفقداً ووجداً إلى غير ذلك من مختلفات الآثار وتنقلات الأطوار فإن الكاملين من أهل الله يراعون الحق في كل نفس حتى يكونوا أبداً بالموافقة مع
    ما أقام الحق فيه عبده من شواغل العبادة لا يجب الفراغ منه . . عدم العجب من أكدار الدنيا إذ هذه طبيعتها ص 36
    الله تعالى . وهذا مقام شريف لا يوفي به إلا أهل العنايات . ومن غفل في حسابه خسر في اكتسابه . وقال بعض العارفين : من أدرك في نفسه التغيير والتبديل في كل نفس فهو العالم بقوله تعالى : { كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ } ( 29 ) الرحمن وما ألطف قول بعضهم :
    نفذت مقادير الإله وحكمه فأرح فؤادك من لعل ومن لو
    ( 23 ) لا تترقب فراغ الأغيار فإن ذلك يقطعك عن وجود المراقبة له فيما هو مقيمك فيه
    أي لا تنتظر - أيها المريد - انتهاء الأغيار أي الشواغل التي منها ما أقامك فيه الحق بل راقبه فيما تترقب فراغه فإن تأميلك للوقت الثاني يمنعك من القيام بحق الوقت الذي أنت فيه . والفقير الصادق يكون في كل وقت بحسبه
    وسئل بعض العارفين متى يستريح الفقير ؟ فقال : إذا لم ير وقتاً غير الوقت الذي هو فيه . وقال بعض المفسرين في قوله تعالى : { وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً } ( 35 ) الأنبياء أي نختبركم بالشدة والرخاء والصحة والسقم والغنى والفقر وقيل بما تحبون وما تكرهون لننظر شكركم فيما تحبون وصبركم فيما تكرهون
    ( 24 ) لا تستغرب وقوع الأكدار ما دمت في هذه الدار فإنها ما أبرزت إلا ما هو مستحق وصفها وواجب نعتها
    أي لا تعد وقوع الأكدار أمراً غريباً مدة كونك في هذه الدار الدنيوية فإنها ما أبرزت أي أظهرت إلا ما هو مستحق وصفها أي وصفها المستحق لها
    ص 37
    وواجب نعنها أي نعتها الواجب أي اللازم لها . فمن ضرورياتها وجود المكاره فيها مع الانهماك عليها كما قال بعض واصفيها :
    طبعت على كدر وأنت تريدها صفواً من الأقذاء والأقذار
    ومكلف الأيام ضد طباعها متطلب في الماء جَذوةَ نار
    ومن كلام جعفر الصادق : من طلب ما لم يخلق أتعب نفسه ولم يرزق قيل له : وما ذاك ؟ قال : الراحة في الدنيا . وأخذ بعضهم هذا المعنى فقال :
    تطلب الراحة في دار العنا خاب من يطلب شيئاً لا يكون
    وقال الصفي الحليّ :
    عدم تعسر المطالب بالاعتماد على الله . . ص 38
    قال العذول لم اعتزلت عن الورى وأقمت نفسك في المقام الأوهن
    ناديت طالب راحة فأجابني أتعبتها بطلاب ما لم يمكن
    وقال آخر :
    ومن رام في الدنيا حياة سليمة من الهم والأكدار رام محالا
    فينبغي للمريد أن يوطن نفسه على المحن فإنه لا يتحرك من قلبه عند نزولها به ما سكن . على حد ما قيل :
    يمثل ذو اللب في لبه شدائده قبل أن تنزلا
    فإن نزلت بغتة لم يرع لما كان في نفسه مثلا
    رأى الأمر يفضي إلى آخر فصير أخره أولا
    وذو الجهل يأمن أيامه وينسى مصارع من قد خلا
    فإن دهمته صروف الزمان ببعض مصائبه أعولا
    ولو قدم الحزم في نفسه لعلمه الصبر عند البلا
    ( 25 ) ما توقف مطلب أنت طالبه بربك ولا تيسر مطلب أنت طالبه بنفسك
    أي ما تعسر مطلب من مطالب الدنيا والآخرة أنت طالبه بربك أي بالاعتماد عليه والتوسل إليه . فمتى أنزلت حوائجك به فقد تمسكت بأقوى سبب وفزت بقضائها من أفضاله بغير تعب . { وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ } ( 3 ) الطلاق ومعنى قوله : ولا تيسر مطلب أنت طالبه بنفسك أنك لو اعتمدت - أيها المريد - على حولك وقوتك تعسرت عليك المطالب ولم تتحصل على بغيتك
    السعادة في الرجوع إلى الله . . إشراق البداية دليل إشراق النهاية . . في أن الظاهر عنوان الباطن . . ص 39
    ( 26 ) من علامات النجح في النهايات الرجوع إلى الله في البدايات
    أي من العلامات الدالة على النجح بضم النون أي الظفر للمريد بمقصوده في نهايته الرجوع إلى الله تعالى بالتوكل عليه والاستعانة به في بدايته . فمن صحح بدايته بالرجوع إلى الله والتوكل عليه في جميع أموره عليه نجح في نهايته التي هي حال وصوله إلى مطلوبه وفاز بما يقربه لديه . وأما من لم يصحح بدايته بما ذكر انقطع عن الوصول ولم يبلغ في نهاية أمره المأمول
    قال بعض العارفين : من ظن أنه يصل إلى الله بغير الله قطع به . ومن استعان على عبادة الله بنفسه وكل إلى نفسه
    ( 27 ) من أشرقت بدايته أشرقت نهايته
    أي من عمر أوقاته في حال سلوكه بأنواع الطاعة وملازمة الأوراد أشرقت نهايته بإفاضة الأنوار والمعارف حتى يظفر بالمراد . وأما من كان قليل الاجتهاد في البداية فإنه لا ينال مزيد الإشراق في النهاية
    ( 28 ) ما استودع في غيب السرائر ظهر في شهادة الظواهر
    هذه علامات يعرف بها حال المريد السلك . فإن الظاهر عنوان الباطن . فمن طابت سريرته حمدت سيرته
    ومهما تكن عند امرئ من خليقة وإن خالها تخف عن الناس تعلم
    وقال آخر :
    دلائل الحب لا تخفى على أحد كحامل المسك لا يخفى إذا عبقا
    فما في القلب من محمود أو مذموم يظهر على الجوارح . لما في الحديث : " لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه " فمن ادعى بقلبه معرفة الله
    في أن الاستدلال بالمجهول على المعلوم من الحجاب
    تعالى ومحبته ولم تظهر على ظاهره ثمرات ذلك من اللهج بذكره والمسارعة إلى اتباع أمره والفرار من القواطع الشاغلة عنه والاضطراب عن الوسائط المبعدة منه فهو كذاب في دعواه متخذ إله هواه
    ( 29 ) شتان بين من يستدل به أو يستدل عليه المستدل به عرف الحق لأهله وأثبت الأمر من وجود أصله والاستدلال عليه من عدم الوصول إليه . وإلا فمتى غاب حتى يستدل عليه ؟ ومتى بعد حتى تكون الآثار هي التي توصل إليه ؟
    شتان اسم فعل ماض بمعنى بعد . أي بعد ما بين من يستدل به تعالى على المحلوقات وهم المراودون أهل الشهود . أو بمعنى الواو أي وبين من يستدل عليه تعالى بالمخلوقات وهم المريدون أهل السلوك . فأحوال هذين الفريقين متفاوتة في الرتبة . فالمستدل به تعالى على غيره عرف الحق وهو الوجود الذاتي لأهله وهو الله تعالى وأثبت الأمر أي وجود الحوادث من وجود أصله وهو الله تعالى أي جعل وجودهم مستفاداً من وجوده إذ لولا إيجاده لهم لما وجدوا وهؤلاء هم أهل الجذب الذين جذبتهم يد العناية إما ابتداء أو بعد السلوك وهم العارفون بربهم فلا يشهدون غيره ولذلك يستدلون به على الأشياء في حال تدليهم . وأما الاستدلال عليه تعالى فلا يكون إلا من عدم الوصول إليه لأن السالك يكون محجوباً بالآثار فيستدل بها على من كور الليل والنهار فيكون من الاستدلال بالمجهول على المعلوم وبالمعدوم على الموجود وبالأمر الخفي على الظاهر الجلي . وذلك لوجود الحجاب ووقوفه مع الأسباب . وإلا فمتى غاب الحق حتى يستدل بمخلوقاته عليه ومتى بعد حتى تكون الآثار الناشئة عن قدرته هي التي توصل إليه . وما ألطف قول بعض أهل الشهود في هذا المقام المحمود :

    عبدالله محمد
    نائب المدير والاداره
    نائب المدير والاداره

    عدد المساهمات : 171
    تاريخ التسجيل : 13/10/2008
    العمر : 48
    الموقع : بحر الشمال جزيرة ارهوس

    رد: كتاب شرح الحكم العطائية سيدي بن عطاء الله السكندري

    مُساهمة من طرف عبدالله محمد في الخميس أكتوبر 16, 2008 1:26 pm

    مراتب السالكين والسائرين . . ص 41
    عجيب لمن يبغي عليك شهادة وأنت الذي أشهدته كل مشهد
    قال ابن عباد نقلاً عن لطائف المنن : واعلم أن الأدلة إنما تنصب لمن يطلب الحق لا لمن يشهده لأن الشاهد غني بوضوح الشهود عن أن يحتاج إلى دليل فتكون المعرفة باعتبار توصيل الوسائل إليها كسبية ثم تعود في نهايتها ضرورية . وإذا كان من الكائنات ما هو غني بوضوحه عن إقامة دليل فالمكون أولى بغناه عن الدليل منها . ثم قال : ومن أعجب العجائب أن تكون الكائنات موصلة إليه . فليت شعري هل لها وجود معه حتى توصل إليه ؟ أو هل لها من الوضوح ما ليس له حتى تكون هي المظهرة له ؟ وإن الكائنات موصلة إليه فليس لها ذلك من حيث ذاتها لكن هو الذي ولاها رتبة التوصيل فوصلت فما وصل إليه غير إلاهيته . ولكن الحكيم هو واضع الأسباب وهي لمن وقف عندها ولم تنفذ قدرته عين الحجاب
    ( 30 ) { لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ } الواصلون إليه { وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ } السائرون إليه
    أي لينفق الفريق صاحب السعة في المعرفة وعلوم الأسرار من سعته وهم الواصلون إليه تعالى فيفيضون على غيرهم مما آتاهم الله ويتصرفون في العوالم كيف شاءوا ومن قدر بضم القاف وكسر الدال المهملة أي والفريق الذي ضيق عليه رزقه من ذلك فلينفق مما آتاه الله على قدر ما أعطاه وهم السائرون إليه تعالى . فقوله الواصلون خبر مبتدأ محذوف أي هم الواصلون إليه . وكذلك السائرون
    نظر الإنسان إلى عيوبه خير من تطلعه إلى ما حجب عنه من الغيب . . ص 42
    ( 31 ) اهتدى الراحلون إليه بأنوار التوجه والواصلون لهم أنوار المواجهة . فالأولون للأنوار وهؤلاء الأنوار لهم لأنهم لله لا لشيء دونه { قُلْ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ } ( 91 ) الأنعام
    أي اهتدى السالكون السائرون إلى الله تعالى بأنوار التوجه أي الأنوار الناشئة من العبادات والرياضات التي توجهوا بها إلى حضرة الرب فإن الله تعالى يقول : { وَالَّذِينَ جَاهدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا } ( 69 ) العنكبوت . والواصلون إلى الله تعالى لهم أنوار المواجهة أي التقرب والتحبب . فالأولون عبيد للأنوار لاحتياجهم إليها في الوصول إلى مقصودهم . وهؤلاء أي الواصلون الأنوار لهم لأنهم لله لا لشيء دونه عملاً بإشارة قوله تعالى : { قُلْ اللَّهُ } أي توجه إليه ولا تمل إلى أنوار ولا غيرها { ثُمَّ ذَرْهُمْ } أي اتركهم { فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ } . فإفراد التوحيد بعد فناء الأغيار هو حق اليقين . ورؤية ما سوى الله خوض ولعب
    ( 32 ) تشوفك إلى ما بطن فيك من العيوب خير من تشوفك إلى ما حجب عنك من الغيوب
    تشوفك بالفاء في الموضعين أي تطلعك بعين البصيرة إلى ما بطن أي خفي فيك من العيوب والأمراض القلبية كالكبر والحقد والعجب والرياء والسمعة والمداهنة وحب الرياسة والجاه ونحو ذلك حتى تتوجه همتك إلى زوال ذلك بالرياضة والمجاهدة خصوصاً على يد شيخ عارف خير لك من تطلعك إلى ما حجب عنك من الغيوب أي ما غاب عنك كالأسرار الإلهية والكرامات الكونية لأن هذا حظ نفسك وذلك واجب عليك لربك . فإن نفسك
    الحق ليس بمحجوب إلا عن أعين المحجوبين . . من خرج عن خصاله الدنيئة كان قريباً من الله . . ص 43
    تطلب الكرامة ومولاك مطالبك بالاستقامة ولأن تكون بحق مولاك خير من أن تكون بحظ نفسك وهواك . وهذه الحكمة عمدة في طريق القوم فطهر نفسك من أنواع الرذائل قبل أن يتوجه إليها اللوم
    ( 33 ) الحق ليس بمحجوب وإنما المحجوب أنت عن النظر إذ لو حجبه شيء لستره ما حجبه ولو كان له ساتر لكان لوجوده حاصر وكل حاصر لشيء فهو له قاهر . { وَهُوَ الْقَاهرُ فَوْقَ عِبَادِهِ } ( 18 ) الأنعام
    يعني أن الحجاب لا يتصف به الحق سبحانه وتعالى لاستحالته في حقه . وإنما المحجوب أنت أيها العبد بصفاتك النفسانية عن النظر إليه فإن رمت الوصول فابحث عن عيوب نفسك وعالجها فإن الحجاب يرتفع عنك فتصل إلى النظر إليه بعين بصيرتك وهو مقام الإحسان الذي يعبرون عنه بمقام المشاهدة . وقد استدل المصنف على استحالة الحجاب على رب الأرباب بقوله : إذ لو حجبه شيء لستره ما حجبه أي عن النظر إليه ولو كان له ساتراً لكان لوجوده أي ذاته حاصر أي محيط به لاستلزام الساتر لانحصار المستور فيه وكل حاصر لشيء فهو له قاهر لأنه يجعله في أسر قبضته وتحت حكمه وذلك لا يصح في حقه تعالى لقوله في كتابه : { وَهُوَ الْقَاهرُ فَوْقَ عِبَادِهِ } ( 18 ) الأنعام فوقية معنوية لا مكانية فإنه تعالى منزه عن الزمان و المكان
    ( 34 ) أخرج من أوصاف بشريتك عن كل وصف مناف لعبوديتك لتكون لنداء الحق مجيباً ومن حضرته قريباً
    أوصاف البشرية إما ظاهرة وهي أعمال الجوارح . وإما باطنة وهي أعمال القلب . وكل منهما إما طاعة وإما معصية . والنظر فيما يتعلق بالأعمال
    ص 44
    الظاهرة من طاعة أو معصية يسمى تفقهاً . وفيما يتعلق بالأعمال الباطنة يسمى تصوفاً . ومتى صلح الباطن صلح الظاهر . فإن القلب كالملك والجوارح كالجنود التي لا تتخلف عن طاعته . وصلاحه إنما يكون بالتخلي عن كل وصف مناقض للعبودية كالكبر والعجب والرياء وغير ذلك والتحلي بالأوصاف المحمودة التي تقربه إلى السيد المالك كالتواضع والحلم والرضا والإخلاص في العبودية إلى غير ذلك من أوصاف الإيمان التي يكتسب بها أبهى مزية . فإذا تخلق المريد بذلك ناداه الحق بقوله له : يا عبدي فيجيبه حينئذ بقوله : لبيك يا ربي فيكون صادقاً في إجابته محققاً لنسبته . وهذه هي العبودية الخاصة لأن العبودية قسمان : عبودية ملك وقهر وهي عامة لكل المخلوقات كما في قوله تعالى : { أن كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَانِ عَبْدًا } ( 93 ) مريم . وعبودية خاصة بأحبابه وهي المرادة بقول القاضي عياض :
    أصل الخطايا الرضا عن النفس . . ص 45
    ومما زادني شرفا وتيها وكدت بأخمصي أطأ الثريا
    دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيا
    ويكون أيضا من حضرته تعالى قريباً لبعده عن نفسه التي من شأنها النفور عنها والفرار منها فمرتبة العبودية أنالته هذه الخصوصية . واعلم أن المراد بحضرة الله تعالى - حيث أطلقت في لسان القوم - شهود العبد أنه بين يدي الله تعالى فما دام هذا مشهده فهو في حضرة الله تعالى . فإذا حجب عن هذا المشهد فقد خرج منها . ثم أن هذا السلوك لا يتيسر إلا لمن حاسب نفسه وأخذ حذره منها . كما قال المصنف :
    ( 35 ) أصل كل معصية وغفلة وشهوة الرضا عن النفس وأصل كل طاعة ويقظة وعفة عدم الرضا منك عنها . ولأن تصحب جاهلا لا يرضى عن نفسه خير لك من أن تصحب عالماً يرضى عن نفسه فأي علم لعالمٍ يرضى عن نفسه ؟ وأي جهل لجاهل لا يرضى عن نفسه ؟
    يعني أن النظر إلى النفس بعين الرضا يوجب تغطية عيوبها ويصير قبيحها حسناً . والنظر إليها بعين السخط يكون بضد ذلك على حد قول القائل :
    وعين الرضا عن كل عيب كليلة كما أن عين السخط تبدي المساويا
    فمن رضي عن نفسه استحسن حالها فتستولي عليه الغفلة عن الله تعالى فينصرف قلبه عن مراعاة خواطره فتثور عليه الشهوة وتغلبه لعدم وجود المراقبة القلبية التي تدفعها فيقع في المعاصي لا محالة . فعطف الغفلة والشهوة على المعصية من عطف السبب على المسبب . وكذا عطف اليقظة والعفة على الطاعة فإن اليقظة التي هي التنبه لما يرضي الله تعالى والعفة التي هي علو الهمة عن الشهوات يتسبب عنهما الطاعة التي هي اتباع المأمورات واجتناب المنهيات . وإنما كان الرضا عن النفس أصل كل المعصية لأنها أمارة بالسوء فهي العدو الملازم . و في الحديث : " أعدى عدوك نفسك التي بين
    ص 46
    جنبيك " وناهيك قول يوسف الصديق : { وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي أن النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ } ( 53 ) يوسف . ولله در الإمام البوصيري حيث قال :
    شعاع البصيرة وعين البصيرة . . ص 47
    وخالف النفس والشيطان واعصهما وإن هما محضاك النصح فاتهم
    ولا تطع منهما خصماً ولا حكما فأنت تعرف كيد الخصم والحكم
    ولما كان الرضا عن النفس من شأن من يتعاطى العلوم الظاهرية التي لا تدل على عيوب النفس نهى المصنف عن صحبتهم بقوله : ولأن تصحب بفتح لام الابتداء الداخلة على أن المصدرية أي لَصُحْبَتُكَ جاهلا لا يرضى عن نفسه خير لك في تحصيل فائدة الصحبة التي هي الزيادة في حالك من أن تصحب عالماً بالعلوم الظاهرية يرضى عن نفسه . فإن المدار في الانتفاع بالصحبة إنما هو على العلم بعظمة الله وجلاله وإحسانه الذي ينشأ عنه معرفة النفس وعيوبها لا على العلوم العقلية والنقلية . فأي علم أي نافع لعالم بالعلوم الظاهرية يرضى عن نفسه . و أي جهل ضار لجاهل بالعلوم الظاهرية لا يرضى عن نفسه لعلمه بعيوبها فإنه وإن قَلَّتْ بضاعته من الأحكام لا بد أن يحصلها بالوقائع على مدى الأيام . فلا ينبغي للمريد أن يصحب إلا من يكون عارفاً بعيوب نفسه غير راض عنها ليقتدي به في أفعاله فإن الطبع سراق
    كما قال بعضهم :
    عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قري بالمقارنة يقتدي
    إذا كنت في قوم فصاحب خيارهم ولا تصحب الأردى فتردى مع الردى
    ( 36 ) شعاع البصيرة يشهدك قربه منك وعين البصيرة يشهدك عدمك لوجوده وحق البصيرة يشهدك وجوده لا عدمك ولا وجودك
    يشير إلى ثلاث مراتب : فشعاع البصيرة ويعبر عنه بنور العقل وبعلم اليقين يشهدك قربه تعالى منك قرب علم وإحاطة فتستحي منه أن يراك حيث نهاك أو يفقدك حيث أمرك . وعين البصيرة ويعبر عنه بنور العلم وبعين اليقين يشهدك عدمك لوجوده الذي تضمحل الموجودات معه فإن وجودها عارية منه
    كان الله ولا شيء معه . . ذو الهمة يأنف من رفع حوائجه لغير الله . . ص 48

    عبدالله محمد
    نائب المدير والاداره
    نائب المدير والاداره

    عدد المساهمات : 171
    تاريخ التسجيل : 13/10/2008
    العمر : 48
    الموقع : بحر الشمال جزيرة ارهوس

    رد: كتاب شرح الحكم العطائية سيدي بن عطاء الله السكندري

    مُساهمة من طرف عبدالله محمد في الخميس أكتوبر 16, 2008 1:30 pm

    ص 48
    وعند ذلك لا يبقى في نظرك ما تستند إليه سواه فإنك إذ ذاك لا تشهد إلا إياه . وحق البصيرة ويعبر عنه بنور الحق وبحق اليقين يشهدك وجوده لا عدمك ولا وجودك فتكون في مشاهدة الحق حال كونك في مقام الفناء الكامل الذي تفنى فيه حتى عن فنائك استهلاكاً في وجود سيدك
    وبعد الفنا في الله كن ما تشا فعلمك لا جهل وفعلك لا وزر
    ( 37 ) كان الله ولا شيء معه وهو الآن على ما عليه كان
    أي كينونة لا يصحبها زمان ولا مكان فإنهما من مخلوقاته والمراد بهذه الحكمة أنه لا شيء معه في أبده كما لم يكن معه شيء في أزله لثبوت أحديته . يوضح ذلك قوله فيما سيأتي : الأكوان ثابتة بإثباته ممحوة بأحدية ذاته
    ( 38 ) لا تتعد نية همتك إلى غيره فالكريم لا تتخطاه الآمال
    أي لا تجعل قصدك متعديا إلى غيره تعالى فالكريم لا تتخطاه آمال المؤملين فإن ذا الهمة العلية يأنف من رفع حوائجه إلى غير كريم ولا كريم على الحقيقة إلا رب العالمين . وأجمع العبارات في معنى وصف الكريم ما قيل : الكريم هو الذي إذا قدر عفا وإذا وعد وفى وإذا أعطى زاد على منتهى الرجاء ولا يبالي كم أعطى ولا لمن أعطى وإن رفعت حاجة إلى غيره لا يرضى وإذا جفي عاتب وما استقصى ولا يضيع من لاذ به والتجا ويغنيه عن الوسائل والشفعاء . فإذا كانت هذه الصفات لا يستحقها أحد سوى الله تعالى فينبغي أن لا تتخطاه آمال المؤملين . كما قال بعض العارفين :
    حرام على من وحد الله ربه وأفرده أن يجتدي أحداً رفدا
    ويا صاحبي قف بي مع الحق وقفة أموت بها وجداً وأحيا بها وجدا
    وقل لملوك الأرض تجهد جهدها فذا الملك ملك لا يباع ولا يهدى
    حسن الظن بالله . . ص 49
    ( 39 ) لا ترفعن إلى غيره حاجة هو موردها عليك فكيف يرفع غيره ما كان هو له واضعاً ؟ من لا يستطيع أن يرفع حاجة عن نفسه فكيف يستطيع أن يكون لها عن غير رافعاً ؟
    أي لا ترفعن إلى غيره تعالى حاجة كفقر أو نازلة هو موردها عليك اختباراً لك بل ارفع إليه ذلك فإنه سبحانه يحب أن يسأل وفي الحديث : " من لم يسأل الله يغضب عليه " . وما ألطف قول بعضهم :
    لا تسألن بني آدم حاجة وسل الذي أبوابه لا تحجب
    فالله يغضب أن تركت سؤاله وبني آدم حين يسأل يغضب
    ومن المحال أن يرفع غيره سبحانه ما كان هو له واضعاً فإن الله غالب على أمره والعبد شأنه العجز عن رفع النازلة عن نفسه فكيف يستطيع أن يرفعها عن غيره ؟ فالطلب من الخلق غرور وباطل وليس تحته عند أرباب البصيرة طائل وهذا إذا كان على وجه الاعتماد عليهم والاستناد إليهم مع الغفلة في حال الطلب عن الله تعالى . وأما إذا كان من باب الأخذ بالأسباب مع النظر إلى أن المعطي في الحقيقة الملك الوهاب فهو من هذا الباب . والله أعلم بالصواب
    ( 40 ) أن لم تحسن ظنك به لأجل وصفه حسن ظنك به لأجل معاملته معك فهل عودك إلا حُسناً ؟ وهل أسدى إليك إلا منناً
    ص 50
    اعلم أن تحسين الظن بالله تعالى أحد مقامات اليقين والناس فيه على قسمين : فالخاصة يحسنون الظن به لاتصافه بالصفات العلية والنعوت السنية . والعامة لما عودهم به من الإحسان وأوصله إليهم من النعم الحسان فإن لم تصل - أيها المريد - إلى مقام الخاصة فحسن ظنك به لحسن معاملته معك فإنه ما عودك إلا عطاءً حسناً ولا أسدى أي أوصل إليك إلا مننا
    والله عودك الجميل فقس على ما قد مضى
    وينبغي للعبد أن يحسن الظن بربه في أمر دنياه وأمر آخرته أما أمر دنياه فأن يكون واثقاً بالله تعالى في إيصال المنافع إليه من غير كد ولا سعي أو بسعي خفيف مأذون فيه مأجور عليه بحيث لا يفوته شيئاً من فرض ولا نفل فيوجب له ذلك سكوناً وراحة في قلبه فلا يستفزه طلب ولا يزعجه سبب . وأما أمر آخرته فأن يكون قوي الرجاء في قبول أعماله الصالحة فيوجب له ذلك المبادرة لامتثال الأوامر والتكثير من أعمال البر . ومن أعظم مواطن حسن الظن بالله تعالى حالة الموت لما في الحديث : " لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله " وورد : " أنا عند ظن عبد بي فليظن بي ما شاء "
    ليس أعجب ممن يهرب مما لا انفكاك له عنه . . الرحلة من الأكوان إلى المكون . . ص 51
    ( 41 ) العجب كل العجب ممن يهرب مما لا انفكاك عنه ويطلب ما لا بقاء له معه { فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ } ( 46 ) الحج
    أي العجب الكامل من العبد الذي يهرُب - بضم الراء من باب نصر - أي يتباعد من ربه الذي لا انفكاك له عنه بأن لا يفعل ما يقربه إليه مع توارد إحسانه عليه ويطلب ما لا بقاء له معه وهو الدنيا وكل شيء سوى الله بأن يقبل على شهواته ويتبع شيطانه وهواه . وما ألطف ما قيل لمن هو من هذا القبيل :
    تفنى اللذائذ يا من نال شهوته من المعاصي وبيقى الإثم والعار
    تبقى عواقب سوء لا انفكاك لها لا خير في لذة من بعدها النار
    وهذا إنما يكون من عمى البصيرة التي هي عين القلب حيث استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير وآثر الفاني على الباقي . فإنها أي القصة والشأن وجملة لا تعمى الأبصار خبر مفسر لها . وفي الآية إشارة إلى أن عمى الأبصار بالنسبة لعمى البصائر كالأعمى فإن عمى الأبصار إنما يحجب عن المحسوسات الخارجية وأما عمى البصائر أي عيون القلوب فإنه يحجب عن المعاني القلبية والعلوم الربانية
    ( 42 ) لا ترحل من كون إلى كون فتكون كحمار الرحى يسير والذي ارتحل إليه هو الذي ارتحل منه ولكن ارحل من الأكوان إلى المكون { وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى } ( 42 ) النجم وانظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم : " فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو
    ص 52
    امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه " . فافهم قوله عليه الصلاة و السلام وتأمل هذا الأمر أن كنت ذا فهم . والسلام
    أي لا تطلب بأعمالك الصالحة عوضاً ولو في الآخرة . فإن الآخرة كون كالدنيا والأكوان متساوية في أنها أغيار وإن وجد في بعضها أنوار بل اطلب وجه الكريم المنان الذي كون الأكوان وفاءً بمقتضى العبودية وقياماً بحقوق الربوبية لتحقق بمقام : { وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى } ( 42 ) النجم . وهذا مقام العافين الذين رغبوا عن طلب الثواب ومحضوا النظر إلى الكريم الوهاب فتحققوا بمقام الإخلاص الناشئ عن التوحيد الخاص . وأما من فر من الرياء في عباداته وطلب بها الثواب فقد فر من كون إلى كون بلا ارتياب فهو كحمار الرحى أي الطاحون يسير ولا ينتقل عما سار منه لرجوعه إليه . وفي هذا التشبيه التنفير عن هذا الأمر ما لا مزيد عليه وانظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله " أي نية وقصداً " فهجرته إلى الله ورسوله " أي صولاً . فلم يتحد الشرط والجزاء في المعنى . فقوله : " فهجرته إلى الله ورسوله " هو معنى الارتحال من
    الأمر بعجم مصاحبة من لا يدلنا على الله . . رؤية كمال النفس يوقع في المهالك . . عمل الزاهد وعمل الراغب . . ص 53
    الأكوان إلى المكون وهو المطلوب من العبد . وقوله : " فهجرته إلى ما هاجر إليه " هو البقاء مع الأكوان وهو المنهي عنه
    ( 43 ) لا تصحب من لا ينهضك حاله ولا يدلك على الله مقاله
    أي لا تصحب من لا يرقيك حاله الذي هو عليه لعدم علو همته فإن الطبع سراق كما قال بعضهم :
    بني اجتنب كل ذي بدعة ولا تصحبن من بها يوصف
    فيسرق طبعك من طبعه وأنت بذلك لا تعرف
    بل اصحب شيخاً عارفاً ينهضك حاله بأن تكون همته متعلقة بالله تعالى فلا يلجأ إلا إليه ولا يتوكل في جميع أموره إلا عليه ويدلك على الله مقاله لمعرفته بالله تعالى فصحبة الأخيار أصل كبير في طريق القوم وأما صحبة الأشرار ففيها كبير اللوم لما فيها من عظيم الآفات الموجبة إلى رجوع القهقرى والانحطاط عن علي الدرجات كما قال المصنف :
    ( 44 ) ربما كنت مسيئاً فأراك الإحسان منك صحبتك إلى من هو أسوأ حالاً منك
    فإن صحبتك أي انضمامك إلى من هو أسوأ حالاً منك سبب لتغطية عيوب نفسك ورؤية كمالها بالنسبة لغيرك فتقع في مهاوي الإعجاب والزهو بالأعمال التي ربما كانت في الحقيقة كسراب
    ( 45 ) ما قل عمل برز من قلب زاهد ولا كثر عمل برز من قلب راغب
    يعني : أن العمل الصادر من الزاهد في الدنيا كثير في المعنى وإن كان قليلاً في الصورة لسلامته من الآفات القادحة في قبوله من الرياء والتصنع للناس وطلب الأعراض الدنيوية بخلاف الصادر من الراغب فيها فإنه على العكس من ذلك وقد شكا بعض الناس لرجل من الصالحين أنه يعمل أعمال البر ولا يجد لها حلاوة في قلبه فقال : لأن عندك بنت إبليس وهي الدنيا ولا
    حسن الأعمال وحسن الأحوال . . ص 54

    عبدالله محمد
    نائب المدير والاداره
    نائب المدير والاداره

    عدد المساهمات : 171
    تاريخ التسجيل : 13/10/2008
    العمر : 48
    الموقع : بحر الشمال جزيرة ارهوس

    رد: كتاب شرح الحكم العطائية سيدي بن عطاء الله السكندري

    مُساهمة من طرف عبدالله محمد في الخميس أكتوبر 16, 2008 1:32 pm

    ص 54
    بد للأب أن يزور ابنته في بيتها وهو قلبك ولا يؤثر دخوله إلا فساداً . ثم أشار إلى ما هو كالدليل لذلك بقوله :
    ( 46 ) حسن الأعمال نتائج حسن الأحوال وحسن الأحوال من التحقق في مقامات الإنزال
    يعني : أن الأعمال الحسنة إنما هي نتائج الأحوال الحسنة القائمة بالقلب من الزهد في الدنيا والإخلاص لله تعالى لا لطلب حظ عاجل ولا ثواب آجل . وحسن الأحوال ناشئ من التحقق أي التمكن في مقامات الإنزال أي في المقامات التي تنزل في قلوب العارفين وهو كناية عن المعارف الإلهية التي يوردها الله تعالى على قلوبهم فتكون سبباً في رفع الدعوى وعدم التعلق بغير المولى وهذه الثلاثة المذكورة مرتب بعضها على بعض وبهذا اتضح قول الإمام الغزالي : لا بد في كل مقام من مقامات اليقين من علم وحال وعمل فالعلم ينتج الحال والحال ينتج العمل
    مراتب الذكر . . ص 55
    ( 47 ) لا تترك الذكر لعدم حضورك مع الله فيه لأن غفلتك عن وجود ذكره أشد من غفلتك في وجود ذكره فعسى أن يرفعك من ذكر مع وجود غفلة إلى ذكر مع وجود يقظة ومن ذكر مع وجود يقظة إلى ذكر مع وجود حضور ومن ذكر مع وجود حضور إلى ذكر مع غيبة عما سوى المذكور { وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ } ( 20 ) إبراهيم
    أي لا تترك - أيها المريد - الذكر الذي هو منشور الولاية لعدم حضور قلبك مع الله فيه لاشتغاله بالأعراض الدنيوية بل اذكره على كل حال لأن غفلتك عن وجود ذكره بأن تتركه بالكلية أشد من غفلتك في وجود ذكره لأنك في هذه الحالة حركت به لسانك وإن كان قلبك غافلاً عن المذكور . فعسى أن يرفعك أي يرقيك بفضله من ذكر مع وجود غفلة عنه إلى ذكر مع وجود يقظة أي تيقظ قلب لما يناسب حضرته من الآداب ومن ذكر مع وجود يقظة إلى ذكر مع وجود حضور في حضرة الاقتراب ومن ذكر مع وجود حضور إلى ذكر مع وجود غيبة عما سوى المذكور فتفنى حتى عن الذكر . وفي هذا المقام ينقطع ذكر اللسان ويكون العبد محواً في وجود العيان كما قال بعض أهل هذا المقام :
    ما أن ذكرتك إلا هم يقتلني سري وقلبي وروحي عند ذكراكا
    علائم موت القلب . . ص 56
    حتى كأن رقيباً منك يهتف بي إياك ويحك والتذكار إياكا
    أما ترى الحق قد لاحت شواهده وواصل الكل من معناه معناكا
    وإذا صدر ذكر اللسان في هذا المقام فإنه يخرج من غير قصد ولا تدبر بل يكون الحق المبين لسانه الذي ينطق به لأن صاحبه في مقام الحب المشار إليه بالحديث : " لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ولسانه الذي ينطق به " إلى آخر الحديث وهذه المراقي لا يعرف حقيقتها إلا السالكون فقابلها بالتسليم أن لم تكن من أهلها { وَلَا تَتَّبِعْ أهواء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ } ( 18 ) الجاثية وخذ في الأسباب يرتفع عنك الحجاب { وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ } ( 20 ) إبراهيم
    ( 48 ) من علامات موت القلب عدم الحزن على ما فاتك من الموافقات وترك الندم على ما فعلته من وجود الزلات
    أي إن عدم حزنك - أيها المريد - على ما فاتك من الموافِقات بكسر
    غفران الله للذنوب ما عدا الشرك . . ص 57
    الفاء أي الطاعات الموافقة للشرع وترك ندمك على ما فعلته من وجود الزلات أي المعاصي التي توجد منك علامة موت قلبك ويفهم منه أن سرورك بالطاعة وحزنك على المعصية علامة حياته . لما في الحديث : " من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن " . فإن الأعمال الحسنة علامة على رضا الحق ورضاه يقتضي السرور . والأعمال السيئة علامة على غضبه وغضبه يقتضي الحزن . فمن رضي الله عنه وفقه لصالح الأعمال . ومن غضب عليه تركه في زوايا الإهمال . أسأل الله التوفيق لأقوم طريق
    ( 49 ) لا يعظم الذنب عندك عظمة تصدك عن حسن الظن بالله تعالى فإن من عرف ربه استصغر في جنب كرمه ذنبه
    لما أفهم كلامه أن الندم على المعصية حياة القلب أشار بهذا إلى أن المراد الندم الذي لا يؤدي لليأس من رحمة الله تعالى . فالمطلوب أن تكون خائفاً راجياً فالخوف يحملك على التوبة من الذنب والرجاء يطمعك في القبول . فإن من عرف ربه باللطف والفضل والامتنان استصغر في جنب كرمه
    الصغائر والكبائر والعدل والفضل . . عدم رؤيتك للأعمال علامة لقبولها . . ص 58
    ذنبه أياً كان . قال الله تعالى : { أن اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } ( 48 ) النساء . ولله در القائل :
    ذنوبي أن فكرت بها كثيرة ورحمة ربي من ذنوبي أوسع
    هو الله مولاي الذي هو خالقي وإنني له عبد أذل و أخضع
    وما طمعي في صالح قد عملته ولكنني في رحمة الله أطمع
    ( 50 ) لا صغيرة إذا قابلك عدله ولا كبيرة إذا واجهك فضله
    أي لا صغيرة من ذنوبك بل كلها كبائر إذا قابلك عدله تعالى . فإن صفة العدل إذا ظهرت على من أبغضه الله تلاشت حسناته وعادت صغائره كبائر لأنه يعذبه على أصغر ذنب . ولا كبيرة إذا واجهك فضله وهو إعطاء الشيء بغير عوض فإن صفة العضل إذا ظهرت لمن أحبه اضمحلت سيئاته وبدلت حسنات وأنا أقول كما قال الإمام الشاذلي : اللهم اجعل سيئاتنا سيئات من أحببت ولا تجعل حسناتنا حسنات من أبغضت . فالإحسان لا ينفع مع البغض منك والإساءة لا تضر مع الحب منك
    ( 51 ) لا عمل أرجى للقبول من عمل يغيب عنك شهوده ويحتقر عندك وجوده
    أي لا عمل من أعمال البر أكثر رجاءً للقبول أي لقبول الله له وفي نسخة للقلوب أي لإصلاحها من عمل يغيب عنك شهوده لأنك إن غبت عن شهود عملك فقد بقيت حينئذ بربك وصار وجود العمل محتقراً عندك لاتهامك لنفسك في القيام بحقه . ولذا قال بعض العارفين : كل شيء من أفعالك إذا اتصلت به رؤيتك فذلك دليل على أنه لا يقبل منك لأن المقبول مرفوع
    الوارد والمريد . . التحرر من رق الآثار . . سدن الوجود وفضاء الشهود . . مطايا القلوب . . ص 59
    مغيب عنك وما انقطعت عنه رؤيتك فذلك دليل على القبول . يشير إلى قوله تعالى : { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ } ( 10 ) فاطر
    ( 52 ) إنما أورد عليك الوارد لتكون به عليه وراداً
    أي إنما أورد الله عليك - أيها المريد - الوارد وهو ما يرد على قلبك من المعارف الربانية واللطائف الرحمانية . لتكون به أي بذلك الوارد المطهر لقلبك عليه سبحانه وارداً . فإن الحضرة منزهة عن كل قلب متكدر بالآثار متلوث بأقذار الأغيار . ولذا قال المصنف :
    أي لا تطلب بأعمالك الصالحة عوضاً ولو في الآخرة . فإن الآخرة كون كالدنيا والأكوان متساوية في أنها أغيار وإن وجد في بعضها أنوار بل اطلب وجه الكريم المنان الذي كون الأكوان وفاءً بمقتضى العبودية وقياماً بحقوق الربوبية لتحقق بمقام : { وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى } ( 42 ) النجم . وهذا مقام العافين الذين رغبوا عن طلب الثواب ومحضوا النظر إلى الكريم الوهاب فتحققوا بمقام الإخلاص الناشئ عن التوحيد الخاص . وأما من فر من الرياء في عباداته وطلب بها الثواب فقد فر من كون إلى كون بلا ارتياب فهو كحمار الرحى أي الطاحون يسير ولا ينتقل عما سار منه لرجوعه إليه . وفي هذا التشبيه التنفير عن هذا الأمر ما لا مزيد عليه وانظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله " أي نية وقصداً " فهجرته إلى الله ورسوله " أي صولاً . فلم يتحد الشرط والجزاء في المعنى . فقوله : " فهجرته إلى الله ورسوله " هو معنى الارتحال من
    ( 53 ) أورد عليك الوارد ليستلمك من يد الأغيار ويحررك من رق الآثار
    فالأغيار والآثار التي هي من أعراض الدنيا وشهوات النفس غاصبة لك لحبك لها وسكونك إليها . فأورد عليك الوارد ليستلمك قهراً من يد من غصبك ويحررك من ملكية من استرقك فتكون حينئذ صالحاً لعبوديته ومشاهداً لعظمة ربوبيته . كما قال المصنف :
    ( 54 ) أورد عليك الوارد ليخرجك من سجن وجودك إلى فضاء شهودك
    فإن وجودك الشبيه بالسجن هو شهودك لنفسك ومراعاتك لحظك . وشهودك الشبيه بالفضاء في السعة هو أن تغيب عن ذلك بمشاهدتك عظمة ربك . ولذا قال بعضهم : سجنُك نفسُك إذا خرجت منها وقعت في راحة الأبد
    ( 55 ) الأنوار مطايا القلوب والأسرار
    أي أن الأنوار الإلهية التي ترد على قلب المريد وتحصل غالباً من الأذكار والرياضات هي مطايا القلوب والأسرار جمع سر وهو باطن القلب أي
    جند القلب وجند النفس . . النور والبصيرة والقلب . . ص 60
    توصلها إلى مطلوبها الذي هو متوجهة إليه وهو دخولها حضرة القرب من الله تعالى كما أن المطية توصل راكبها إلى مطلوبه
    ( 56 ) النور جند القلب كما أن الظلمة جند النفس . فإذا أراد الله أن ينصر عبده أمده بجنود الأنوار وقطع عنه مدد الظلم والأغيار
    يعني أن النور للقلب في كونه يتوصل به إلى مقصده وهو حضرة الرب بمنزلة الجند للأمير في كونه يتوصل به إلى مقصوده من قهر أعدائه كما أن الظلمة التي هي من وساوس الشيطان جند النفس الأمارة بالسوء - دون المطمئنة فإنها توافق العقل أبداً - . ومقصد النفس الأمارة الشهوات والأغراض العاجلة . فلا يزال الحرب بينهما وبين العقل . فإذا أراد الله أن ينصر عبده أي يعينه على قمع شهواته أمده أي أمد قلبه الذي فيه العقل بجنود الأنوار أي بالأنوار الشبيهة بالجنود أو بجنود هي الأنوار وقطع عنه مدد الظُّلَم - بفتح اللام جمع ظلمة - أي مدداً هو الظلم . وعطف الأغيار عليه من عطف المرادف يعني وإذا أراد خذلانه فعلى العكس من ذلك . فعلى العبد أن يفزع إلى ربه عند التقاء الصفين ويسأله الإعانة على النفس الأمارة بالسوء متوسلاً بسيد الكونين . قال ابن عباد : وهذه العبارات الخمس من قوله إنما أورد عليك الوارد إلى هنا تفنن فيها صاحب الكتاب وكررها بألفاظ مختلفة والمعاني فيها متقاربة . وهذه عادته في مواضع كثيرة من هذا الكتاب
    ( 57 ) النور له الكشف والبصيرة لها الحكم والقلب له الإقبال والإدبار
    يعني أن النور الذي يقذفه الله في قلب المريد وهو العلم اللدني له الكشف أي كشف المعاني كحسن الطاعة وقبح المعصية . والبصيرة التي هي عين القلب لها الحكم أي إدراك الأمر الذي شاهدته وكشف لها عنه بالنور . فإنه كما لا يمكن إدراك البصر للمحسوسات إلا بالأنوار الظاهرة كالشمس والسراج لا يمكن إدراك البصيرة لشيء من المعاني إلا بالأنوار الباطنية . والقلب له الإقبال على ما كشف للبصيرة وحكمت بحسنه كالطاعة

    عبدالله محمد
    نائب المدير والاداره
    نائب المدير والاداره

    عدد المساهمات : 171
    تاريخ التسجيل : 13/10/2008
    العمر : 48
    الموقع : بحر الشمال جزيرة ارهوس

    رد: كتاب شرح الحكم العطائية سيدي بن عطاء الله السكندري

    مُساهمة من طرف عبدالله محمد في الخميس أكتوبر 16, 2008 1:35 pm

    ص 61
    والإدبار عما كشف لها وحكمت بقبحه كالمعصية وحينئذ تتبعه الجوارح لما في الحديث : " ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب " كما تقدم
    ( 58 ) لا تفرحك الطاعة لأنها برزت منك وافرح بها لأنها برزت من الله إليك . { قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ } ( 58 ) يونس
    أي لا يكون فرحك بالطاعة لأجل كونها برزت منك فإنك إذا فرحت بها من هذه الحيثية أورثتك العجب المحبط لها لأنك شاهدت أنها بحولك وقوتك . وإنما يكون فرحك بها لأجل كونها برزت من الله إليك وتفضل بها عليك قال تعالى : { وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } ( 96 ) الصافات . ولذا استدل بآية : { قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ } ( 58 ) يونس
    عدم رؤية الواصلين لأعمالهم . . الطمع يورث الذل . . ص 62
    ( 59 ) قطع السائرين له والواصلين إليه عن رؤية أعمالهم وشهود أحوالهم أما السائرون فلأنهم لم يتحققوا الصدق مع الله فيها . وأما الواصلون فلأنه غيبهم بشهوده عنها
    يعني أن الله تعالى حجب السائرين له عن رؤية أعمالهم ومنع الواصلين إليه عن شهود أحوالهم . فهو لف ونشر مرتب . وخص الواصلين بالأحوال وإن كانت لهم أعمال لأن تلك الأحوال التي هي الأعمال الباطنة الصالحة أفضل من الأعمال الظاهرة فعبر في جانبهم بالأفضل . كما أنه عبر في جانب السائرين بالأعمال وإن كانت لهم أحوال أيضاً لمناسبة ذلك لهم فالسائر إلى الله لا يرى شيئاً من أعماله اتهاماً لنفسه بعدم كماله . والواصل غائب في شهوده حتى عن نفسه فإنه محال أن يراه ويشهد معه سواه . فقد أسبغ الله نعمته على الفريقين وأعطى الفريق الثاني أفضل المنزلتين
    ( 60 ) ما بسقت أغصان ذل إلا على بذر الطمع
    يقال : بسقت النخلة إذا طالت . قال تعالى : { وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ } ( 10 ) ق والأغصان جمع غصن وهو ما تشعب عن سوق الشجر . وقد شبه هنا الذل بشجرة على طريق الاستعارة المكنية وأثبت لها الأغصان تخييلاً وبسقت ترشيح . وإضافة بذر إلى طمع من إضافة المشبه به للمشبه أي طمع شبيه بالبذر أي المبذور الذي تنشأ عنه الشجرة . والمراد لا تغرس بذر الطمع في قلبك فتخرج شجرة من الذل وتتشعب أغصانها . فإن الطمع أصل جميع الآفات لأنه موجب للوقوع في عظيم المهلكات فلا يزال صاحبه يتملق إلى
    قائد الوهم . . عبودية الطمع . . ص 63
    الناس حتى يحصل له من نور يقينه الإفلاس مع أن المؤمن ينبغي أن يحرص على عزة إيمانه المتين ويردد قوله سبحانه { وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ } ( 8 ) المنافقون ولا يكون ذلك إلا باعتماده على مولاه وقطع طماعيته فيما سواه . فإن من طمع في شيء ذل له وانقاد لحكمه حتى يقال : قاده وذلله . وما ألطف قول بعضهم :
    أتطمع في ليلى وتعلم أنما تقطع أعناق الرجال المطمع
    ( 61 ) ما قادك شيء مثل الوهم
    يعني أن انقياد النفس إلى الأمور الوهمية الباطلة أشد من انقيادها إلى الحقائق الثابتة . فتوهم النفع من المخلوقين هو السبب في الطمع في الناس وهو في الحقيقة مبني على غير أساس لأن الطمع تصديق الظن الكاذب والطمع فيهم طمع في غير مطمع ولذلك كانت أرباب الحقائق بمعزل عنه فلا تتعلق همتهم إلا بالله ولا يتوكلون إلا على الله قد ترقت عن ملاحظة الأغيار قلوبهم فلم يحل فيها الطمع واتصفوا بصفات الكمال التي من أجلها الزهادة والورع فأحياهم الله حياة طيبة بالقناعة ولم يكشف أحد منها لمخلوق قناعه تخلصاً من رق الأغيار وتطلباً لأن يكون من الأحرار . كما قال المصنف :
    ( 63 ) أنت حر مما أنت عنه آيس وعبد لما له طامع
    أي أنت حر من كل شيء أنت عنه أي منه آيس لأن اليأس من الشيء دليل على فراغ القلب منه وذلك عين الحرية منه كما أن الطمع في الشيء دليل على الحب له وفرط الاحتياج إليه وذلك عين العبودية له . وقوله لما أنت له أي فيه طامع . فالطامع عبد واليائس حر . كما قيل :
    العبد حر أن قَنِعْ والحر عبد أن قَنَعْ
    الإقبال على الله بملاطفات الإحسان . . الشكر يديم النعم . . ص 64
    فاقنَع ولا تطمع فما شيء يشين سوى الطمع
    وقوله : ( إن قنع ) في آخر المصراع الأول بكسر النون بمعنى رضي والثاني بفتحها بمعنى سأل وقوله : ( فاقنَع ) بفتح النون أمر من القناعة . وما ألطف قول بعضهم :
    اضرع إلى الله لا تضرع إلى الناس واقنع بعز فإن العز في اليأس
    واستغن عن كل ذي قربى وذي رحم إن الغني من استغنى عن الناس
    ( 63 ) من لم يقبل على الله بملاطفات الإحسان قيد إليه بسلاسل الامتحان
    أي من لم يقبل على الله تعالى بسبب ملاطفاته هي الإحسان قيد بالبناء للمفعول أي قاده الله إليه بالامتحانات الشبيهة بالسلاسل . فالنفوس الكريمة تقبل على الله لإحسانه والنفوس اللئيمة لا ترجع إليه إلا ببلائه وامتحانه . ومراد الرب من العبد رجوعه إليه طوعاً أو كرهاً
    ( 64 ) من لم يشكر النعم فقد تعرض لزوالها ومن شكرها فقد قيد بعقالها
    فيه تشبيه النعم بالإبل التي شأنها النفار أن لم تقيد بالعقال على سبيل المكنية وإثبات العقال تخييل والتقييد ترشيح . ومن كلامهم : الشكر قيد للموجود وصيد للمفقود . وناهيك قوله تعالى : { لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ } ( 7 ) إبراهيم وهو لغة : فعل ينبئ عن تعظيم المنعم بسبب كونه منعماً على الشاكر أو غيره سواء كان ذكراً باللسان أو عملاً بالأركان أو اعتقاداً بالجنان . كما قال الشاعر :
    وما كان شكري وافياً بنوالكم ولكنني حاولت في الجهد مذهبا
    الخوف من مداومة إحسان الله مع إساءة الإنسان في الأعمال . . ص 65
    أفادتكم النعماء مني ثلاثة يدي ولساني والضمير المحجبا
    وفي الاصطلاح : صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه فيما خلق لأجله . وقد قيل للجنيد - وهو ابن سبع سنين - يا غلام ما الشكر ؟ فقال : أن لا يعصى الله بنعمه
    ( 65 ) خف من وجود إحسانه إليك ودوام إساءتك معه أن يكون ذلك استدراجاً لك { سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ } ( 182 ) الأعراف
    أي خف - أيها المؤمن - من وجود إحسانه سبحانه عليك مع دوام إساءتك معه بترك أوامره أن يكون ذلك استدراجاً أي تدريجاً لك شيئاً فشيئاً
    ص 66
    حتى يأخذك بغتة . فإن الخوف من الاستدراج بالنعم من صفات المؤمنين كما أن عدم الخوف منه مع الدوام على الإساءة من صفات الكافرين . قال تعالى : { سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ } ( 182 ) الأعراف أي لا يشعرون بذلك وهو أن يلقي في أوهامهم أنهم على شيء وليسوا كذلك يستدرجهم بذلك حتى يأخذهم بغتة . كما قال تعالى : { فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ } إشارة إلى مخالفتهم وعصيانهم { فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ } أي فتحنا عليهم أبواب الرفاهية { حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا } من الحظوظ الدنيوية ولم يشكروا عليها { أَخَذْنَاهمْ بَغْتَةً } أي فجأة { فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ } ( 44 ) الأنعام أي آيسون قانطون من الرحمة . وقيل في قوله تعالى { سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ } ( 182 ) الأعراف . نمدهم بالنعم وننسيهم الشكر عليها . فإذا ركنوا إلى النعمة وحجبوا عن المنعم أخذوا . ومن أنواع الاستدراج ما ذكره المصنف بقوله :
    ( 66 ) من جهل المريد أن يسيء الأدب فتؤخر العقوبة عنه فيقول : لو كان هذا سوء أدب لقطع الإمداد وأوجب الإبعاد . فقد يقطع المدد عنه من حيث لا يشعر ولو لو يكن إلا منع المزيد . وقد يقام مقام البعد وهو لا يدري . ولو لم يكن إلا أن يخليك وما تريد
    يعني أن من جهل المريد بحقائق الأشياء أن يسيء الأدب إما مع الله بنحو الاعتراض عليه في أفعاله كأن يقول : ليت هذا الأمر لم يكن . وإما مع المشايخ بنحو الاعتراض عليهم وعدم قبول إشارتهم فيما يشيرون به عليه . وإما مع بعض الناس بنحو الازدراء بهم . فتؤخر العقوبة عنه أي عن ذلك المريد بأن لا يعاقب في ظاهره بالأسقام والبلايا ولا في باطنه بحسب زعمه
    النصيحة بعدم احتقار العبد التي لا ترى عليه سيما العارفين . .

    عبدالله محمد
    نائب المدير والاداره
    نائب المدير والاداره

    عدد المساهمات : 171
    تاريخ التسجيل : 13/10/2008
    العمر : 48
    الموقع : بحر الشمال جزيرة ارهوس

    رد: كتاب شرح الحكم العطائية سيدي بن عطاء الله السكندري

    مُساهمة من طرف عبدالله محمد في الخميس أكتوبر 16, 2008 1:39 pm

    أي علامتهم
    ص 68
    من ترك الحظوظ والإرادات ولا بهجة المحبين من الشغف بمرضاة محبو بهم من غير نظر إلى عليّ الجنات . ثم علل عدم الاستحقار بقوله : فلولا وارد أي تجل إلهي أورده الله على قلبه ما كان ورد أي عبادة فهو لم يخرج عن دائرة العناية ولم يبعد عن الملاحظة والرعاية . فلا تستقل ما منحه مولاه فإن كل فريق قام بحق المقام الذي أقامه الحق فيه وتولاه . كما قال المصنف :
    ( 68 ) قوم أقامهم الحق لخدمته وقوم اختصهم بمحبته { كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاء وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا } ( 20 ) الإسراء
    أي قوم اختارهم الحق تعالى لخدمته حتى صلحوا لجنته وهم العابدون . وقوم اختصهم بمحبته حتى صلحوا لدخول حضرته وهم العارفون والمحبون . والكل منتسبون إلى خدمته لكن خدمة الأولين أكثرها بالجوارح والآخرين أكثرها بالقلوب على حسب ما يليق بكل من القسمة الأزلية التي منحها لهم علام الغيوب . كما قال تعالى : { كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاء وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا } ( 20 ) الإسراء أي ممنوعاً . فإذا شهد العبد انفراد الله تعالى بهذه الإقامة رجع عن الاحتقار فإن ذلك من الجهل بحكمة العزيز الغفار
    ( 69 ) قلما تكون الواردات الإلهية إلا بغتة لئلا يدعيها العُبَّاد بوجود الاستعداد
    أي أن الواردات الإلهية التي هي الأسرار العرفانية يقل حصولها غير بغتة أي فجأة من غير استعداد لها بعبادة لئلا يدعيها العُبَّاد - بضم العين المهملة وشد الموحدة جمع عابد - بوجود الاستعداد لها . فإن تحف الله تعالى وهداياه مقدسة عن أن تعلل بالأعمال لأنها من مواهب الغني المفضال فحصولها بغير استعداد كثير وأما حصولها بالاستعداد فنزر يسير
    الآخرة محل لجزاء عباد الله المؤمنين . . ص 69
    ( 70 ) من رأيته مجيباً عن كل ما سئل ومعبراً عن كل ما شهد وذاكراً كل ما علم فاستدل بذلك على وجود جهله
    يعني : أنك إذا رأيت إنساناً مجيباً عن كل ما سئل فيه من المسائل ومعبراً عن كل ما شهده أي ذاقه بباطنه من العلوم والمعارف وذاكراً كل ما علم فاستدل بذلك على وجود جهله . أما الإجابة عن كل سؤال فلاقتضائها منه الإحاطة بجميع المعلومات وذلك محال في حقه . قال تعالى : { وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا } ( 85 ) الإسراء . وما ألطف قول بعضهم :
    ومن كان يهوى أن يرى متصدراً ويكره لا أدري أصيبت مقاتله
    وأما التعبير عن كل مشهود فلأن فيه نوعاً من إفشاء السر الذي أمروا بكتمه فإنهم قالوا : قلوب الأحرار قبور الأسرار ولأن مدارك الشهود يضيق عنها نطاق التعبير بالعبارة ولذلك اكتفى العارفون فيما بينهم بالإشارة كما قال بعضهم : علمنا إشارة فإذا صار عبارة خفي . وأما الذكر لكل معلوم فلعدم تفرقته بين المعلومات وقد يكون له علم يختص به فإذا ذاكره لغيره استغربه كما قال بعض العارفين :
    إني لأكتم من علمي جواهره كي لا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا
    ( 71 ) إنما جعل الدار الآخرة محلاً لجزاء عباده المؤمنين لأن هذه الدار لا تسع ما يريد أن يعطيهم ولأنه أجل أقدارهم عن أن يجازيهم في دار لا بقاء لها
    أي إنما جعل الله تعالى الدار الآخرة محلاً لجزاء عباده المؤمنين دون
    فيمن وجد ثمرة عمله عاجلاً . . ص 70
    الدنيا لوجهين : الأول أن هذه الدار لا تسع ما يريد أن يعطيهم من صنوف النعم لما في عدة أخبار من أن الله تعالى يعطي لبعض أهل الجنة أضعاف أمثال الدنيا . والثاني أنه أجل أي أعظم أقدارهم عن أن يجازيهم في دار لا بقاء لها فإن كل ما يفنى وإن طالت مدته كلا شيء بل أعطاهم في الجنة النعيم المقيم ومتعهم بالنظر إلى وجهه الكريم . أسأل الله بجاه نبيه العظيم أن يجعلنا منهم إنه رؤوف رحيم
    ( 72 ) من وجد ثمرة عمله عاجلاً فهو دليل على وجود القبول آجلاً
    يعني : أن من وجد ثمرة عمله الصالح عاجلاً من استئناس مكاشفات وحلاوة مناجاة كما يشير إلى ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : " وجعلت قرة عيني في الصلاة " فهو دليل على وجود القبول آجلاً . قال بعض المحققين في قوله
    ص 71
    تعالى : { وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ } ( 46 ) الرحمن جنة معجلة وهي حلاوة الطاعات ولذاذة المناجاة والاستئناس بفنون المكاشفات . وجنة مؤجلة وهو فنون المثوبات وعلو الدرجات ا ه
    ولا ينبغي للعامل إذا وجد الحلاوة أن يفرح بها أو يقف معها لأنه في الظاهر يكون قائماً لله وفي الباطن إنما قام لحظ نفسه بل لا ينبغي أن يكون عمله لنيلها لما فيها من اللذة والحظ وذلك يقدح في إخلاص عبادته وصدق إرادته . وليكن اعتناؤه بحصولها لتكون ميزاناً لأعماله ومحكاً لأحواله
    ( 73 ) إذا أردت أن تعرف قدرك عنده فانظر فيما ذا يقيمك
    هذه الحكمة تشير إلى قوله صلى الله عليه وسلم : " من أراد أن يعلم منزلته عند الله فلينظر كيف منزلة الله تعالى من قلبه " . ومما يدور على ألسنة العوام : إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر في أي شيء أقامك . وفي الحديث : " اعملوا فكل ميسر لما خلق له " فإذا رضيك الله أيها المريد لحسن طاعته فاعرف قدرها واشكره على عظيم نعمته
    خير ما يطلب البعد التقوى ص 72
    ( 74 ) متى رزقك الله الطاعة والغنى به عنها فاعلم أن قد أسبغ عليك نعمة ظاهرة وباطنة
    أي متى رزقك الله الطاعة التي هي امتثال المأمورات واجتناب المنهيات في ظاهرك والغنى به عنها بأن لا تركن إليها بباطنك فاعلم أنه قد أسبغ أي أتم عليك نعمه : ظاهرة وهي تلك الطاعات وباطنة وهي معرفتك التي باعدتك عنها وأوجبت لك رفيع الدرجات . فإن المطلوب من العبد شيئان : إقامة الأمر في الظاهر والتعلق بالله لا غيره في الباطن . فمن رزقه الله هذين الأمرين فقد أسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة وأوصله إلى غاية أمله في الدارين . وقد كان أبو بكر الوراق يقول : إني لأصلي الركعتين وانصرف عنهما كأني أنصرف عن السرقة استحياء منه
    ( 75 ) خير ما تطلبه منه ما هو طالبه منك
    أي خير شيء تطلبه من الله تعالى ما هو طالبه منك من الاستقامة على سبيل العبودية له . فإن هذا خير لك من طلبك لحظوظك ومراداتك دنيوية كانت أو أخروية . ومن دعاء أبي القاسم الجنيد : اللهم اجعل غاية قصدي إليك ما هو لك ولا تجعل قصدي إليك ما أطلبه منك

    عبدالله محمد
    نائب المدير والاداره
    نائب المدير والاداره

    عدد المساهمات : 171
    تاريخ التسجيل : 13/10/2008
    العمر : 48
    الموقع : بحر الشمال جزيرة ارهوس

    رد: كتاب شرح الحكم العطائية سيدي بن عطاء الله السكندري

    مُساهمة من طرف عبدالله محمد في الخميس أكتوبر 16, 2008 1:41 pm

    ص 73
    ( 76 ) الحزن على فقدان الطاعة مع عدم النهوض إليها من علامات الاغترار
    يعني : أن الحزن الكاذب على فقدان الطاعة - بكسر الفاء وضمها - أي عدم وجودها في الحال مع عدم النهوض إليها في المستقبل من علامات الاغترار وهو التعلق بما لا حقيقة له فليس بمقام السالكين الأبرار . وإنما مقامهم الحزن الصادق مع النهوض إليها والبكاء عليها فإن صاحب هذا الحزن يقطع من طريق الله تعالى في كل شهر ما لا يقطعه غيره في سنين . وفي الحديث : " أن الله يحب كل قلب حزين " وقد كان صلى الله عليه وسلم متواصل الأحزان دائم الفكر
    ( 77 ) ما العارف من إذا أشار وجد الحق أقرب إليه من إشارته بل العارف من لا إشارة له لفنائه في وجوده وانطوائه في شهوده
    يعني ليس العارف الكامل في المعرفة من إذا أشار إلى شيء من أسرار التوحيد وجد الحق تعالى وشهده قبل تلك الإشارة لأنه حينئذ يكون باقياً مع نفسه وملاحظاً أن هناك إشارة ومشيراً فهو مع الأغيار بل العارف الكامل من لا إشارة له أصلاً مشهودة لفنائه عنها في وجوده تعالى فلا يشهد إلا إياه . وقوله : ( وانطوائه في شهوده ) عطف تفسير . والإشارة عند الصوفية هي : إفادة أسرار التوحيد بالكناية والتلويح . قال الشبلي : وكل إشارة أشار بها الخلق إلى الحق فهي مردودة عليهم حتى يشيروا إلى الحق بالحق وليس لهم إلى ذلك
    الرجاء هو ما كان مصحوباً بعمل . . ص 74
    طريق ا ه . ولذا قال الشيخ يوسف العجمي : من تكلم في مقام الجمع فليس بمتكلم وإنما المتكلم الحق سبحانه وتعالى على لسان عبده وهو قوله في الخبر القدسي : " فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق " . وسئل بعضهم عن الفناء فقال : هو تبدو العظمة على العبد فتنسيه الدنيا والآخرة والدرجات والأحوال والمقامات والأذكار وتفنيه عن كل شيء حتى عن نفسه وعن فنائه عن الأشياء وعن فنائه عن الفناء فيستغرق في التعظيم آه
    ( 78 ) الرجاء ما قارنه عمل وإلا فهو أمنية
    يعني : أن الرجاء الصادق الذي هو مقام شريف من مقامات اليقين هو ما
    ص 75
    قارنه عمل لأن الرجاء الحقيقي ما كان باعثاً على الاجتهاد في الأعمال لأن من رجا شيئاً طلبه وإلا فهو أمنية أي مجرد أمنية لا طائل تحتها . وفي الحديث : " الكيس - أي العاقل - من دان نفسه - أي حاسبها - وعمل لما بعد الموت . والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني " . وقال الحسن
    الصدق في العبودية مطلب العارفين . . ص 76
    رضي الله عنه : أن قوما ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا وليس لهم حسنة يقول أحدهم : أحسن الظن بربي وهو يكذب لو أحسن الظن بربه لأحسن العمل وتلا قوله تعالى : { وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمْ الَّذِي ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنْ الْخَاسِرِينَ } ( 23 ) فصلت
    ويرحم الله القائل :
    يا من يريد منازل الأبدال من غير قصد منه للأعمال
    لا تطمعن فيها فلست من أهلها إن لم تزاحمهم على الأحوال
    ( 79 ) مطلب العارفين من الله الصدق في العبودية والقيام بحقوق الربوبية
    يعني : أن مطلب العارفين من ربهم أعلى من مطلب غيرهم سواء كانوا عباداً أو زهاداً . فإن مطلب العارفين إنما هو الصدق أي الإخلاص في العبودية والقيام بحقوق الربوبية فقط من غير مراعاة حظ ولا بقاء مع نفس . وأما من عداهم فلم يفارقوا الحظوظ والأغراض في مطالبهم . وشتان بين من همته الحور والقصور وبين من همته رفع الستور ودوام الحضور
    ( 80 ) بسطك كي لا يبقيك مع القبض وقبضك كي لا يتركك مع البسط وأخرجك عنهما كي لا تكون لشيء دونه
    أي بسطك مولاك - أيها العارف - كي لا يبقيك مع القبض الذي فيه قهر لنفسك
    وإن كان فيه نفع لك وقبضك كي لا يتركك مع البسط الذي فيه حظ لها وأخرجك عنهما بفنائك عن نفسك وبقائك به كي لا تكون لشيء دونه . فالقبض والبسط من الأحوال التي يتلون بها العارفون . وهما بمنزلة الخوف والرجاء للمريدين المبتدئين . وسببهما الواردات التي ترد على باطن العبد فإذا
    العطاء في صورة المنع والمنع في صورة العطاء . . ص 77
    تجلى للقلب وارد الجلال حصل فيه القبض وإذا تجلى له وارد الجمال حصل فيه البسط . والمقصود هاهنا أنهما وصفان ناقصان بالنسبة إلى ما فوقهما وهو فناؤه عن نفسه وبقاؤه بالله . فإن بقاء العارف مع شيء من أوصافه المؤنسة أو المؤلمة حجاب عن مولاه
    ( 81 ) العارفون إذا بسطوا أخوف منهم إذا قبضوا ولا يقف على حدود الأدب في البسط إلا قليل
    يعني : أن العارفين في مقام البسط أكثر خوفاً من أنفسهم في مقام القبض لأن البسط فيه مناسبة لهوى أنفسهم فيخافون حينئذ من الوقوع فيما تدعو إليه من التحدث بالأحوال والكرامات وربما كان في ذلك الطرد عن علي الدرجات ولهذا تأكد عليهم مراعاة الأدب في هذا المقام الذي زلت فيه أقدام كثير من السادة الفخام . وأما القبض فهو أقرب إلى وجود السلامة كما بين ذلك المصنف بقوله :
    ( 82 ) البسط تأخذ النفس منه حظها بوجود الفرح والقبض لا حظ للنفس فيه
    فإن النفس متى أخذت حظها من البسط لا تتمالك حتى تقع في سوء الأدب من التحدث بإدراك المقامات والحصول على خوارق العادات وغير ذلك مما هو مناف للعبودية بخلاف القبض فإنه لا حظ للنفس فيه بالكلية ولذا آثره العارفون على البسط كما قال بعضهم : القبض حق الحق منك والبسط حظك منه ولأن تكون بحق ربك خير من أن تكون بحظ نفسك
    ( 83 ) ربما أعطاك فمنعك وربما منعك فأعطاك
    أي ربما أعطاك مولاك ما تميل إليه من الشهوات فمنعك التوفيق لعظيم القرب والطاعات . وربما منعك من شهواتك فأعطاك التوفيق الذي هو بغية
    ص 78
    السالك . وحينئذ فيجب على المريد ترك التدبير وتفويض الأمر إلى العليم الخبير . ولا ينظر لظاهر العطاء قبل أن ينكشف عنه الغطاء
    ( 84 ) متى فتح لك باب الفهم في المنع عاد المنع عين العطاء
    أي متى فتح لك مولاك باب الفهم عنه في المنع بأن فهمت أنه بمنعه أشهدك قهره وعرفت حكمته فيه عاد المنع أي صار عين العطاء . كما سيقول المصنف : متى أعطاك أشهدك بره ومتى منعك أشهدك قهره
    ( 85 ) الأكوان ظاهرها غِرَّةٌ وباطنها عبرة فالنفس تنظر إلى ظاهر غرتها والقلب ينظر إلى باطن عبرتها
    يعني : أن الأكوان بمعنى المكونات التي فيها حظ للنفس من متاع الدنيا وزهرتها . ظاهرها غِرَّةٌ - بكسر الغين المعجمة - أي سبب في الاغترار بها لحسنها وبهجتها وباطنها عبرة أي سبب في الاعتبار بها لقبحها وخستها . فالنفس تنظر إلى ظاهر غرتها أي إلى غرتها الظاهرة فتغتر بها حتى تهلك صاحبها . والقلب أي العقل ينظر إلى باطن عبرتها أي إلى عبرتها الباطنة فيعتبر بها ويسلم من شرها . فمن نظر إلى ظاهرها قال : حلوة خضرة ومن نظر إلى باطنها قال : جيفة قذرة
    ( 86 ) أن أردت أن يكون لك عز لا يفنى فلا تستعزن بعز يفنى
    العز الذي لا يفنى هو الغنى عن الأسباب كلها بوجود مسببها فالتعلق به سبحانه عز لا يفنى . وأما التعلق بالأسباب مع الغيبة عن مسببها فهو العز الذي يفنى . وليس لك - أيها المريد - إلا أحدهما لأنهما ضدان لا يجتمعان . فإن اخترت التعلق بمسبب الأسباب فنعمت الحالة التي تكون عليها . وإن اخترت التعلق بالأسباب خذلتك وأسلمتك أحوج ما تكون إليها . وما ألطف قول بعض العارفين :
    في أن طي المسافات لا يقاس بطي رحلة الدنيا إلى الآخرة .

    عبدالله محمد
    نائب المدير والاداره
    نائب المدير والاداره

    عدد المساهمات : 171
    تاريخ التسجيل : 13/10/2008
    العمر : 48
    الموقع : بحر الشمال جزيرة ارهوس

    رد: كتاب شرح الحكم العطائية سيدي بن عطاء الله السكندري

    مُساهمة من طرف عبدالله محمد في الخميس أكتوبر 16, 2008 1:44 pm

    ص 79
    اجعل بربك شأن عز زك يستقر ويثبت
    فإن اعتززت بمن يمو ت فإن عزك ميت
    ( 87 ) الطي الحقيقي أن تطوي مسافة الدنيا عنك حتى ترى الآخرة أقرب إليك منك
    يعني : أن الطي الحقيقي ليس هو أن تطوي مسافة الأرض حتى تكون من أهل الحظوة فإن ذلك ربما كان استدراجاً . وإنما هو أن تطوي - أيها المريد - مسافة الدنيا عنك بأن لا تركن إليها بل تغيب عنها حتى ترى الآخرة أقرب إليك منك فإنه متى أشرق نور اليقين في قلبك تنعدم الدنيا في نظرك وترى الآخرة حاضرة لديك ومتى شاهدت أن ذاتك فانية فإنك ترى الآخرة أقرب إليك منك بهذا الاعتبار . ومن كانت هذه مشاهدته فلا يتصور منه حب الغائب الفاني وهو الدنيا واستبداله بالحاضر الباقي وهو الآخرة . ولذلك كان أصل الرغبة في الدنيا وإيثارها على الآخرة ضعف اليقين
    ( 88 ) العطاء من الخلق حرمان والمنع من الله إحسان
    يعني : أن العطاء من الخلق مع الغفلة عن الحق حرمان في نفس الأمر لأنه يوجب حبهم والتعلق بهم وصرف الوقت في مكافأتهم وذلك يوجب ذهول القلب عن الحق فيفوته من المعارف ما لا يحصى وأي حرمان أعظم من ذلك . وما ألطف قول بعضهم :
    فلا ألبس النعما وغيرك ملبسي ولا أقبل الدنيا وغيرك واهبي
    والمنع من الله إحسان في الحقيقة لاقتضائه الالتجاء إليه ودوام وقوف السائل بين يديه وذلك عبودية و أي إحسان أعظم من التوفيق لها
    ( 89 ) جل ربنا أن يعامله العبد نقداً فيجازيه نسيئة
    أي تعالى ربنا عن أن يعامله العبد بالعمل الصالح نقداً أي معاملة ناجزة
    أعظم جزاء للطاعة هو توفيق الله لفاعلها . . في أن من عبد الله لغاية لم يوف حق العبادة لله . . ص 80
    فيجازيه نسيئة أي مجازاة مؤجلة فإن جزاء المعاملة لا يختص بالدار الآخرة بل ربما أظهر الحق تعالى منه لبعض أولياءه أنموذجاً يحملهم على الاجتهاد في الأعمال ومن أعظم المعجل مجازاته على الحسنة بالتوفيق لحسنة أخرى وبالحفظ من معصية يكون العبد بصددها ومن ذلك الحفظ من الآفات والمكاره ومنه ما أشار المصنف بقوله :
    ( 90 ) كفى من جزائه إياك على الطاعة أن رضيك لها أهلاً
    أي كفى من مجازاته سبحانه لك على الطاعة أن رضيك - أيها العبد - الضعيف أهلاً لها فإن خدمة ملك الملوك مما تتطاول إليها الأعناق فكونه رضيك لها من أعظم النعم التي امتن بها عليك الكريم الخلاق . ومن ذلك ما أشار له المصنف أيضاً بقوله :
    ( 91 ) كفى العاملين جزاءً ما هو فاتحه على قلوبهم في طاعته وما هو مورده عليهم من وجود مؤانسته
    أي كفاهم في المجازاة ما هو فاتحه على قلوبهم في حال طاعته من الإلهامات السنية والمواهب اللدنية حتى يجدوا حلاوة المناجاة مع الملك الخلاق التي يعبر عنها أهل الطريقة : بالأحوال والمواجيد والأذواق وكفاهم أيضاً ما هو مورده عليهم أي على قلوبهم من وجود مؤانسته البهية وسرور القلب بشهود صفاته الجمالية فإن هذا من علامة الرضوان الأكبر الذي يتلاشى عنده كل شيء ويحقر
    ( 92 ) من عبده لشيء يرجوه منه أو ليدفع بطاعته ورود العقوبة عنه فما قام بحق أوصافه
    يعني : أن من عبده تعالى لشيء يرجوه منه كالثواب أو ليدفع عن نفسه
    ص 81
    بطاعته ورود عقوبته يوم الحساب فما قام بحق أوصافه سبحانه لأن حق أو صافه أن يعبد لذاته لا طلباً لثوابه ولا خوفاً من عقابه فإن العبد يستحق عليه مولاه كل شيء ولا يستحق هو شيئا على مولاه وكان أبو حازم المدني يقول إني لأستحيي من ربي أن أعبده خوفاً من العذاب فأكون مثل عبد السوء أن لم يخف لم يعمل وأستحيي أن أعبده لأجل الثواب فأكون كالأجير السوء أن لم يعط أجر عمله لم يعمل ولكن أعبده محبة له آه . فإذا عمل المريد على ذلك كان عبداً لله حقاً فإن طلب منه الثواب أو استعاذ به من العقاب فإنما يكون ذلك انتجازاً لوعد ربه واتباعاً لما أذن له فيه من طلبه لفضله وإحسانه وكرمه وامتنانه لا أن رجاءه لحصول ذلك هو الباعث له على القيام بطاعته وملازمته لعبادته وهذا مذهب العارفين الواصلين إلى رب العالمين
    ( 93 ) متى أعطاك أشهدك بره ومتى منعك أشهدك قهره فهو في كل ذلك متعرف عليك ومقبل بوجود لطفه عليك
    أي متى أعطاك مولاك - أيها المريد - ما تريد أشهدك بره أي صفاته البرية التي تقتضي البر : من الجود والكرم واللطف والعطف ونحو ذلك . ومتى منعك أشهدك قهره أي صفاته القهرية التي تقتضي القهر : كالكبرياء والعزة والاستغناء . فهو في كل ذلك أي في كلتا الحالتين متعرف إليك أي مريد منك أن تعرفه بأوصافه الجمالية والجلالية ومقبل بوجود لطفه عليك لأن مشاهدتك لصفات برته وقهره لطف عظيم منه سبحانه بك ونعمة منه عليك . فإنه لا سبيل إلى معرفته إلا بتعرفه لعباده ولا يكون ذلك إلا بمقتضى صفاته سواء كان ذلك موافقاً لطبعهم وهو الإعطاء أو مخالفاً له وهو المنع . فمن كان عارفاً بربه لم
    2 - في أن بعض الذنب ربما يكون سبباً في الوصول . . ص 82
    يفرق بين المنع والعطاء لأن كلاً منهما له طريق توصله إلى معرفة مولاه . وهذا من جملة فتح باب الفهم في المنع كما مر فافهم
    ( 94 ) إنما يؤلمك المنع لعدم فهمك عن الله فيه
    أي إنما يؤلمك - أيها المريد - المنع الذي هو في الحقيقة مثل العطاء لعدم فهمك عن الله فيه إذ لو فهمت عن الله أنه إنما منعك ليصيرك من أحبابه الذين حماهم من الدنيا لما تألمت منه بل تلذذت به . فإن الفقير لا يكمل حتى يجد للمنع حلاوة لا يجدها في العطاء
    ( 80 ) بسطك كي لا يبقيك مع القبض وقبضك كي لا يتركك مع البسط وأخرجك عنهما كي لا تكون لشيء دونه
    ( 95 ) ربما فتح لك باب الطاعة وما فتح لك باب القبول وربما قضى عليك بالذنب فكان سبباً في الوصول
    يعني : أن الطاعة ربما قارنها آفات قادحة في الإخلاص فيها كالإعجاب بها واحتقار من لم يفعلها فلا يفتح لها باب القبول . وربما قارن الذنب شدة الندم واستصغار النفس وحسن الاعتذار إلى الله فيكون سبباً في الوصول . كما بين ذلك المصنف بقوله :
    ( 96 ) معصية أورثت ذلاً وافتقاراً خير من طاعة أورثت عزاً واستكباراً
    فإن الذل والافتقار من أوصاف العبودية والتحقق بهما موجب للقرب من رب البرية . وأما العز والاستكبار فإنهما من أوصاف الربوبية والتعلق بهما مقتض للخذلان والتباعد عن المراتب العلية . ولذا قال أبو مدين : انكسار
    - نعمة الإيجاد ونعمة الإمداد . . ص 83
    العاصي خير من صولة المطيع . وكان أبو العباس المرسي ربما دخل عليه المطيع فلا يعبأ به وربما دخل عليه العاصي فيكرمه لمشاهدته أن الطائع أتى وهو متكبر بعمله ناظر لفعله والعاصي دخل عليه بذلة مخالفته ومشاهدة معصيته . فينبغي أن لا ينظر العبد إلى صور الأشياء بل إلى حقائقها . فإن أعمال البر والطاعة ليست مشروعة لذاتها ولا مطلوبة لصورها بل لما احتوت عليه من التذلل والخشوع فإذا خلت من ذلك فخير منها المعصية التي تورث الخضوع
    ( 97 ) نعمتان ما خرج موجود عنهما ولا بد لكل مكوَّن منهما : نعمة الإيجاد ونعمة الإمداد
    يعني أنه لا بد لك مكوَّن - بفتح الواو المشددة - أي موجود من نعمتين لا يخرج عنهما : الأولى نعمة الإيجاد أي نعمة هي إيجاد الله إياه بعد العدم السابق والثانية نعمة هي إمداد بالمنافع التي تقتضي بقاء صورته وهيكله إلى أجل مسمى . فهو المنعم ابتداءً ودواماً . كما قال المصنف :
    ص 84
    ( 98 ) أنعم عليك أولاً بالإيجاد وثانياً بتوالي الإمداد
    وقد وجه الكلام في هذه الحكمة على طريق الخطاب ليستحضرهما الإنسان في نفسه ويعلم أن الإمداد متواصل لا يتخلله انقطاع فيعرف من نفسه الفاقة الذاتية وهي النتيجة التي قصدها المصنف من هذه المقدمات بقوله :
    ( 99 ) فاقتك لك ذاتية وورود الأسباب مذكرات لك بما خفي عليك منها والفاقة الذاتية لا ترفعها العوارض
    أي إذا علمت أن العدم سابق على وجودك وأن وجودك مفتقر إلى المدد في كل وقت وإلا تلاشى وانعدم علمت أن فاقتك ذاتية لك وأن الاضطرار لازم لوجودك وأن ورود الأسباب كالفقر والمرض مذكرات لك بما خفي عليك من الفاقة الذاتية . فإن غالب الناس يغفلون عن الفاقة الذاتية إذا دامت عليهم صحة أبدانهم وكثرة أموالهم . بل قال بعضهم : إنما حمل فرعون على قوله : { أَنَا رَبُّكُمْ الْأَعْلَى } ( 24 ) النازعات . طول العافية والغنى . فإنه لبث أربعمائة سنة لم يتصدع رأسه ولم يضرب عليه عرق ولو أخذته الشقيقة ساعة واحدة لشغله ذلك عن دعوى الربوبية . والفاقة الذاتية اللازمة للعبد لا ترفعها العوارض كالصحة والغنى فإنه يجوز في حقه تعالى أن يزيل ذلك . ويبدله بضده المقتضي للافتقار والاضطرار ولا يزايل العبد هذا الاضطرار لا في الدنيا ولا في الآخرة ولو دخل الجنة فهو محتاج إلى الله تعالى دائماً وأبداً وإذا لاحظ العبد ذلك وقف عند حده وقام بعبودية ربه وخاف من تهديد قوله تعالى : { وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ } ( 12 ) يونس
    خير الأوقات . . ص 85
    ( 100 ) خير أوقاتك وقت تشهد فيه وجود فاقتك وترد فيه إلى وجود ذِلتك
    أي خير أوقاتك - أيها المريد - وقت تشهد فيه وجود فقرك إلى مولاك وترد فيه إلى وجود ذِلتك - بكسر الذال المعجمة - أي : تذللك بين يدي الملك المجيد . كما سيقول المصنف : أوقات الفاقات أعياد المريدين . بخلاف الوقت الذي يشهد فيه غناه وعزه فإنه شر الأوقات لوجود الحجب المانعة من الوصول إلى رب البريات . وما ألطف قول بعضهم :
    بنى الله للأحباب بيتاً سماؤه هموم وأحزان وحيطانه الضر
    وأدخلهم فيه وأغلق بابه وقال لهم مفتاح بابكم الصبر
    ( 101 ) متى أوحشك من خلقه فاعلم أنه يريد أن يفتح لك باب الأنس به
    أي متى أوحشك الله من خلقه بأن نفّر قلبك من الاستئناس بهم فاعلم أنه يريد أن يفتح لك باب الأنس به لتصير له وحده . ومتى فتح لك هذا الباب صيّرك من الأحباب وآنسك بالخطاب . فاترك الأغيار في مرضاة العزيز الوهاب
    ( 102 ) متى أطلق لسانك بالطلب فاعلم أنه يريد أن يعطيك
    أي متى حل مولاك عقدة لسانك التي أوجبها الاستغناء بالأغيار وعدم رؤية الفاقة والافتقار بأن أشهدك فقرك وفاقتك حتى دعوته بلسان الاضطرار فاعلم أنه يريد أن يعطيك لصدق الوعد بإجابة دعاء المضطر لا سيما في الأسحار . وما ألطف قول بعض العارفين :
    لو لم ترد نيل ما أرجوه من طلب من فيض جودك ما ألهمتني الطلبا
    وفي الحديث : " من أعطي الدعاء لم يحرم الإجابة " . واعلم أن الإجابة
    سكون العارف وقراره . . ص 86

    عبدالله محمد
    نائب المدير والاداره
    نائب المدير والاداره

    عدد المساهمات : 171
    تاريخ التسجيل : 13/10/2008
    العمر : 48
    الموقع : بحر الشمال جزيرة ارهوس

    رد: كتاب شرح الحكم العطائية سيدي بن عطاء الله السكندري

    مُساهمة من طرف عبدالله محمد في الخميس أكتوبر 16, 2008 1:47 pm

    ص 86
    تارة تكون بعين المطلوب وتارة تكون بغيره عاجلاً أو آجلاً { وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ } ( 68 ) القصص
    ( 103 ) العارف لا يزول اضطراره ولا يكون مع غير الله قراره
    يعني : أن العارف بالله لا يزول اضطراره وافتقاره إلى مولاه فإنه يقدر معرفته لنفسه بالذل والافتقار يعرف ربه بالعز والعظمة والاقتدار . وأما غير العارف من العامة فإن اضطرارهم إنما يكون عند مثيرات الأسباب من الفقر والمرض ونحو ذلك لغلبة دائرة الحس على مشهدهم ومتى زالت زال اضطرارهم فلو شهدوا قبضة الله الشاملة المحيطة لعلموا أن اضطرارهم إلى الله تعالى دائم . ومن أوصاف العارف أيضاً أنه لا يكون مع غير الله قراره لوجود وحشته من المخلوقات فلا يأنس إلى ببارئ الأرض والسماوات
    ( 104 ) أثار الظواهر بأنوار آثاره وأنار السرائر بأنوار أوصافه لأجل ذلك أفلت أنوار الظواهر ولم تأفل أنوار القلوب والسرائر ولذلك قيل :
    إن شمس النهار تغرب باللي ل وشمس القلوب ليست تغيب
    يعني : أنه سبحانه أنار الظواهر أي المكونات بأنوار الكواكب والشمس والقمر التي هي آثار قدرته فنرى المكونات بذلك النور ونأخذ منها ما ينفع ونحترز عما يضر . وأنار السرائر أي بواطن قلوب العارفين بأنوار أوصافه أي بالعلوم العرفانية والأسرار الربانية لأجل ذلك أفلت أي غابت أنوار الظواهر
    ص 87
    فيذهب نور الشمس في الليل ونور القمر في النهار لكونها ناشئة عن الحادث . ولم تأفُل - بضم الفاء - أي لم تغب أنوار القلوب والسرائر لكونها ناشئة عن الصفات القديمة . وقد استشهد بالبيت على ما ذكره ومعناه واضح وفي هذا تنبيه على أن الأمور الباقية هي التي ينبغي أن يعتني بها بخلاف الأمور الفانية الآفلة فلا يعتني بالعلوم الظاهرية مثل ما يعتني بالعلوم الباطنية فإن الثانية لبقائها أولى بالاعتناء بها . وحينئذ يكون العبد على ملة إبراهيم عليه السلام حيث قال : { لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ } ( 76 ) الأنعام . ومن اللطائف أن رجلاً سأل سهل بن عبد الله رضي الله عنه عن القوت . فقال : هو الحي الذي لا يموت . فقال : إنما سألتك عن القوام . فقال : القوام هو العلم . فقال : سألتك عن الغذاء . فقال : الغذاء هو الذكر . فقال : إنما سألتك عن طعم الجسد . فقال : ما لك وللجسد دع من تولاه أولاً يتولاه آخراً . وما ألطف قول بعضهم :
    يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته وتطلب الربح مما فيه خسران
    عليك بالروح فاستكمل فضائلها فأنت بالروح لا بالجسم إنسان
    ( 105 ) ليخفف ألم البلاء عنك علمك بأنه سبحانه هو المبلي لك فالذي واجهتك منه الأقدار هو الذي عودك حسن الاختيار
    هذه الحكمة تسلية للسالكين حتى يذوقوا منها مذاق العارفين . فإنه من عرف أن البلايا من مولاه وسيده الذي هو أرحم به من والدته ووالده كيف يبقى
    العارف يشهد لطف الله في قدره . . ص 88
    له بالألم إحساس ؟ أم كيف لا يتلذذ به ؟ كما يتلذذ بالنعمة سائر الناس . كما قال في التنوير :
    وخفف عني ما ألاقي من العنا بأنك أنت المبتلي والمقدر
    وما لامرئ عما قضى الله معدل وليس له منه الذي يتخير
    يعني : أن علمك - أيها المريد - بأنه سبحانه هو المبلي لك يخفف ألم البلاء عنك . فإن الذي واجهتك منه الأقدار أي الأمور المقدرة عليك من مرض ونحوه هو الذي عودك حسن الاختيار أي اختيار الأمر الحسن الذي يلائمك فاتهم نفسك إذا ظننت خلاف ذلك وسلم الأمر تسلم فإن مولاك الحكيم بمصالحك منك أعلم . قال تعالى : { وَعَسى أن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } ( 216 ) البقرة
    ( 106 ) من ظن انفكاك لطفه عن قدره فذلك لقصور نظره
    أي من ظن انفكاك لطفه تعالى وتخلفه عن قدره عليه وأنزله به من البلايا والمحن فذلك الظن إنما حصل له لقصور نظره الناشئ عن ضعف اليقين . فإن العارفين يشهدون المنن في المحن والعطايا في البلايا بل كثيراً ما يتلذذون بها لما يعقبها من المزايا فإنها توجب شدة قرب العبد من مولاه لأنه يكثر التضرع عند نزولها به والالتجاء إلى من يعلم سره ونجواه ويستعمل حسن الصبر والرضا والتوكل على من أراد له هذا القضا إلى غير ذلك من طهارة القلوب . وفي هذا من أنواع اللطف ما لا ينكره إلا كل محجوب . فإن ذرة من أعمال القلوب خير من أمثال الجبال من أعمال الجوارح . وفي
    ص 89
    الحديث : " إذا أحب الله عبداً ابتلاه فإن صبر اجتباه وإن رضي اصطفاه "
    ( 107 ) لا يخاف عليك أن تلتبس الطرق عليك وإنما يخاف عليك من غلبة الهوى عليك
    أي لا يخاف عليك - أيها المريد - أن تلتبس أي تشتبه الطرق الموصلة إلى الله تعالى عليك لأنه سبحانه بينها بإنزال الكتب وإرسال الرسل وإنما يخاف عليك من غلبة الهوى عليك حتى يعميك عن رؤيتها . كما قال البلخي : الطريق واضح والحق لائح والداعي قد أسمع فما التحير بعد هذا إلا من العمى . وما ألطف قول بعضهم :
    وآفة العقل الهوى فمن علا على هواه عقله فقد نجا
    وقال آخر :

    عبدالله محمد
    نائب المدير والاداره
    نائب المدير والاداره

    عدد المساهمات : 171
    تاريخ التسجيل : 13/10/2008
    العمر : 48
    الموقع : بحر الشمال جزيرة ارهوس

    رد: كتاب شرح الحكم العطائية سيدي بن عطاء الله السكندري

    مُساهمة من طرف عبدالله محمد في الخميس أكتوبر 16, 2008 1:51 pm

    ص 90
    إذا أنت لم تعص الهوى قادك الهوى إلى كل ما فيه عليك مقال
    ( 108 ) سبحان من ستر سر الخصوصية بظهور البشرية وظهر بعظمة الربوبية في إظهار العبودية
    أي تنزه عما لا يليق به مولانا الحكيم الذي ستر بحكمته سر الخصوصية أي سراً هو الخصوصية التي خص بها أولياءه من المعارف والأسرار بظهور البشرية أي الأحوال التي تعرض للبشر فقد يكون بعض الأولياء خواصاً مثلاً ليستر خصوصيته بهذه الصفة التي يتعاطاها فلا يعرفه كثير من الناس ولولا هذا الستر لكان سر الله مبتذلاً غير مصون . وقد قالوا لا بد للشمس من سحاب وللحسناء من نقاب . وقوله : وظهر بعظمة الربوبية أي بربوبيته العظيمة . في إظهار العبودية أي في إظهار آثار العبودية على عباده . وهي الأحوال التي تطرأ عليهم فتقتضي افتقارهم إلى ربهم . فبعجزك تتحقق قدرة مولاك وبفقرك تحقق غناه وبذلك تتحقق عزه . وهكذا فعظمة الربوبية إنما ظهرت للعباد من وراء حجاب العبودية
    ( 109 ) لا تطالب ربك بتأخر مطلبك ولكن طالب نفسك بتأخر أدبك
    أي إذا دعوت ربك وطلبت منه شيئاً من الأشياء ولم تظهر لك الإجابة فلا تطالبه أي لا تعترض عليه وتسيء الظن به بسبب تأخر مطلبك أي ما طلبته منه فإنه لا يسأل عما يفعل . ولكن طالب نفسك واعترض عليها بسبب تأخر أدبك فلو تقدم الأدب لما تأخر المطلب . ومن أدبك في الطلب عدم طلب الإجابة فإن الطالب إنما يقصد بدعائه إظهار العبودية فقط . ومنه عدم رؤية الاستحقاق لما تطلب فإن رؤية الاستحقاق توجب إدلالك عليه
    في أنه لا يكمل تخليص كل صاحب كرامة إلا القليل . . ص 91
    والواجب إنما هو إذلالك بين يديه . ثم أشار المصنف إلى كمال الأدب الذي يكون به العبد في غاية الاستقامة بقوله :
    ( 110 ) متى جعلك في الظاهر ممتثلاً لأمره ورزقك في الباطن الاستسلام لقهره فقد أعظم المنة عليك
    أي متى زين الله ظاهرك بالتقوى وهي امتثال المأمورات واجتناب المنهيات وباطنك بالاستسلام أي بالانقياد لقهره مع الرضا والصبر على المصيبات فقد أعظم المنة أي النعمة عليك فإنه لا درجة أعلى من التقلب في عبودية الظاهر والباطن
    ( 111 ) ليس كل من ثبت تخصيصه كمل تخليصه
    أي ليس كل من ثبت تخصيصه بإظهار أمر خارق للعادة على يده كطي الأرض والطيران في الهواء والمشي على الماء وغير ذلك من الكرامات كمل تخليصه من رؤية الأغيار وآفات النفس وما تدعو إليه من الشهوات . فإنه كثيراً ما تظهر الكرامة على أيدي المبتدئين ولا تظهر على أيدي الواصلين من أهل التمكين . ولذا قيل لبعضهم : أن فلاناً جاع في البادية فرأى البادية كلها طعاماً . فقال : عبد رفق به ولو بلغ إلى محل التحقيق لكان كمن قال : أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني . وسيقول المصنف : ربما رزق الكرامة من لم تكمل له الاستقامة . فالاستقامة هي أعظم الكرامات التي أكرم بها العبد من رب البريات
    ص 92
    ( 112 ) لا يستحقر الورد إلا جهول . الوارد يوجد في الدار الآخرة والورد ينطوي بانطواء هذه الدار وأولى ما يعتني به ما لا يخلف وجوده . الورد هو طالبه منك والوارد أنت تطلبه منه وأين ما هو طالبه منك مما هو مطلبك منه ؟
    يعني : لا يستحقر الورد الذي هو الأعمال الصالحة التي تقربه إلى العزيز الغفار ويتشوف إلى الوارد وهو ما يرد على الباطن من المعارف والأسرار إلا جهول أي كثير الجهل . فإن الوارد إنما ينشأ عن الورد بعد تصفية الباطن بصالح الأعمال التي تجلب الأنوار من حضرة الغني المفضال . فالورد ما كان من الخلق للحق والوارد ما كان من الحق للخلق . ثم ذكر أن الورد له مزية على الوارد من وجهين : أشار إلى الأول بقوله : الوارد يوجد في الدار الآخرة لأنه ما يرد على باطن العبد من المعارف الربانية واللطائف الرحمانية . وأما الورد : فإنه ينطوي بانطواء هذه الدار لأن الآخرة ليست دار تكليف . وأولى ما يعتني به ما لا يخلف وجوده بفواته . وأشار إلى الوجه الثاني بقوله : الورد هو تعالى طالبه منك . فهو حقه عليك والوارد أنت تطلبه منه فهو حظك منه وأين ما هو طالبه منك مما هو مطلبك منه ؟ أي بعيد ما بينهما فقيامك بحقوقه علي أليق بالعبودية من طلبك لحظوظك المحبوبة لديك ومتى تطهرت من العيب فتح لك باب الغيب . وأتى المصنف بذلك إرشاداً للمريدين الذين يتشوفون إلى الواردات ويتركون الأوراد مع أنها لها من المقدمات . كما قال المصنف :
    ( 113 ) ورود الإمداد بحسب الاستعداد وشروق الأنوار على حسب صفاء الأسرار
    يعني : أن ورود الإمداد من حضرة الملك الجواد إنما يكون للعبد بحسب استعداده لذلك بتطهير فؤاده وملازمته لأوراده . وشروق الأنوار في قلب
    في أن الجاهل مشغول بما يعمل وأن العاقل غيره . . ص 93
    العارف والمراد بها العلوم والمعارف إنما يكون على حسب صفاء الأسرار من كدر التعلق بالأغيار والآثار . وهذه الحكمة إثبات للشريعة من حيث الأخذ بالأسباب . وأما قوله : قلما تكون الواردات الإلهية إلا بغتة فتحقيق للحقيقة فلا تنافي بلا ارتياب
    ( 114 ) الغافل إذا أصبح ينظر ماذا يفعل والعاقل ينظر ماذا يفعل الله به
    يعني : أن الغافل عن الله تعالى إذا أصبح فأول خاطر يرد عليه نسبة الفعل إلى نفسه فيقول : ماذا أفعل اليوم ؟ فهو جدير بأن يكله الله تعالى إلى نفسه . وأما العاقل فأول خاطر يرد عليه نسبة الفعل إلى الله تعالى فيقول : ماذا يفعل الله بي ؟ وذلك لدوام يقظته فهو جدير بأن يوفقه الله لأحسن الأعمال ويرشده لأصلح الأحوال . فأول خاطر يرد على العبد هو ميزان توحيده ولذا قال بعضهم من اهتدى إلى الحق لم يهتد إلى نفسه ومن اهتدى إلى نفسه لم يهتد إلى الله . فانظر إذا استقبلك شغل فإن عاد قلبك في أول وهلة إلى حولك وقوتك فأنت المنقطع عن الله وإن عاد قلبك في إلى الله سبحانه فأنت الواصل إليه . وقد كان سيدي عمر بن عبد العزيز يقول : أصبحت ومالي سرور إلا في مواقع القدر . وليكن من دعاء صاحب هذا المقام : اللهم إني أصبحت لا أملك لنفسي ضراً
    ص 94
    ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً ولا أستطيع أن آخذ إلا ما أعطيتني ولا أتقي إلا ما وقيتني الله وفقني لما تحبه وترضاه من القول والعمل في طاعتك إنك ذو الفضل العظيم
    ( 115 ) إنما يستوحش العباد والزهاد من كل شيء لغيبتهم عن الله في كل شيء فلو شهدوه في كل شيء لم يستوحشوا من شيء
    أي إنما يستوحش العباد - بضم العين جمع عابد - والزهاد - جمع زاهد - أي ينفرون من كل شيء يقطعهم عن الله بغيبتهم عن الله في كل شيء لكونهم محجوبين عنه تعالى برؤية أنفسهم ومراعاة حظوظهم . فإن الزهد في المزهود شاهد له بالوجود ولذا فروا من الأشياء واستوحشوا منها مخافة أن تفوت عليهم مقاصدهم لميلهم إليها وافتتانهم بها فلو شهدوه في كل شيء كما شهده العارفون والمحبون لم يستوحشوا من شيء لرؤيتهم له حينئذ ظاهراً في الأشياء كلها لأنهم يستدلون به عليها فيكون في ذلك من قرة أعينهم ما يشغلهم عن رؤيتهم لنفوسهم فلا يكون لهم من الأشياء وحشة ولا يخشون منها فتنة لأنها فانية متلاشية بهذا الاعتبار . جعلنا الله من أهل محبته إنه كريم غفار
    ( 116 ) أمرك في هذا الدار بالنظر في مكوناته وسيكشف لك في تلك الدار عن كمال ذاته
    يعني : أمرك مولاك - أيها المريد - في هذه الدار الدنيا بالنظر في مكوناته - بتشديد الواو المفتوحة - أي أكوانه لتراه بنور بصيرتك ظاهراً فيها من وراء حجاب هو هي وسيكشف لك مع عامة المؤمنين في تلك الدار الآخرة عن كمال ذاته فتراه بعين البصر . فإن رؤيته تعالى من الأمر الجائز كما قال اللقاني :
    تنوع الطاعات علاج لطبيعة الملل عند الإنسان . . ص 95
    ومنه أن ينظر بالأبصار لكن بلا كيف ولا انحصار
    للمؤمنين إذ بجائز علقت هذا وللمختار دنيا ثبتت
    ( 117 ) علم منك أنك لا تصبر عنه فأشهدك ما برز منه
    أي علم منك - أيها المحب - أنك لا تصبر عن مشاهدته كما هو شأن المحب مع محبوبه فأشهدك ما برز منه من الأكوان رحمة بك لتراه فيها بعين بصيرتك لكون رؤيتك له في هذه الدار من غير حجاب لا تتصور
    ( 118 ) لما علم الحق منك وجود الملل لون لك الطاعات وعلم ما فيك من وجود الشره فحجرها عليك في بعض الأوقات ليكون همك إقامة الصلاة لا وجود الصلاة فما كل مصل مقيم
    أي لما علم الحق سبحانه منك - أيها المريد - وجود الملل أي السآمة المؤدية إلى ترك العمل لون - بتشديد الواو - أي نوع لك الطاعات : من صلاة وصيام وتسبيح وتهليل ونحو ذلك رحمة بك وتسهيلاً عليك فإنك إذا سئمت من نوع منها انتقلت إلى غيره . وعلم ما فيك من وجود الشَّرَه - بتشديد الشين المعجمة المفتوحة وفتح الراء - أي مجاوزة الحد في التسارع إلى العمل المؤدي ذلك إلى وقوع النقص والتقصير فيها . فحجرها بتخفيف الجيم أي منعها عليك
    الصلاة محل المناجاة . . ص 96

    عبدالله محمد
    نائب المدير والاداره
    نائب المدير والاداره

    عدد المساهمات : 171
    تاريخ التسجيل : 13/10/2008
    العمر : 48
    الموقع : بحر الشمال جزيرة ارهوس

    رد: كتاب شرح الحكم العطائية سيدي بن عطاء الله السكندري

    مُساهمة من طرف عبدالله محمد في الخميس أكتوبر 16, 2008 1:56 pm

    ص 96
    في بعض الأوقات فإن الفرائض يمتنع فعلها في غير أوقاتها والنوافل لا ينبغي فعلها في وقت الكراهة . وإنما فعل ذلك ليكون همك إقامة الصلاة أي تعديل أركانها وتوفير شروطها وتكميل آدابها ظاهرة وباطنة بقدر الطاقة لا وجود صورة الصلاة فقط فما كل مصل مقيم لأنك قد علمت أن المقيم للشيء هو القائم به على وجه الكمال من غير نقص ولا إخلال . فتلوين العبادة وتحجيرها نعمتان على المريد يزول بهما الملل والشره القاطعان عن حسن طاعة العزيز الحميد . وإنما مثل المصنف بالصلاة دون سائر العبادات لكثرة وقوع ذلك فيها أو لكونه أراد أن يذكر شيئاً من فوائدها بقوله :
    ( 119 ) الصلاة طهرة للقلوب من أدناس الذنوب واستفتاح لباب الغيوب
    يعني : أن الصلاة التامة المستوفية للشروط والآداب المشتملة على الخشوع والخضوع للعزيز الوهاب طهرة أي مطهرة للقلوب من الذنوب الشبيهة بالأدناس . قال تعالى : { أن الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ } ( 45 ) العنكبوت . وفي الحديث : " إنما مثل الصلاة كمثل نهر عذب يمر بباب أحدكم يقتحم فيه كل يوم خمس مرات أترون ذلك يبقي من درنه شيئاً " وقوله : واستفتاح أي طلب فتح لباب الغيوب عطف مسبب على سبب لأن القلوب إذا طهرت وتزكت رفعت عنها الحجب والأستار فترى ما كان غائباً عنها من المعارف والأسرار
    ص 97
    ( 120 ) الصلاة محل المناجاة ومعدن المصافاة تتسع فيها ميادين الأسرار وتشرق فيها شوارق الأنوار . علم وجود الضعف منك فقلل أعدادها وعلم احتياجك إلى فضله فكثر أمدادها
    يعني : أن الصلاة هي محل مناجاة العبد لربه بتلاوة كلامه والثناء عليه ومعدن المصافاة معه بتوجهه بكليته إليه وبقدر إقبال العبد يكون إقبال الرب وثمرتها إذا كانت على الوجه الأكمل أنها تتسع فيها ميادين الأسرار أي تتسع فيها القلوب الشبيهة بالميادين للفرسان بمعنى أنها تنشرح بتوارد الأسرار أي العلوم والمعارف التي تتسابق إليها كتسابق الفرسان وهذا يتسبب عن كونها تشرق أي تطلع فيها شوراق الأنوار أي الأنوار الشبيهة بالكواكب الشارقة . فإن الأنوار إذا أشرقت في القلوب انشرحت لما يرد عليها من العلوم والمعارف . وهذه العبارات الست التي هي من فوائد الصلاة معانيها متقاربة أتى بها لتكون كالدليل لما قاله : من أن المأمور به إنما هو إقامة الصلاة لا وجودها . فإن الصلاة المعتبرة هي صلاة الخاشعين لا صلاة الغافلين . فإن الله تعالى يقول في كتابه المكنون : { فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ( 4 ) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهونَ } ( 5 ) الماعون . ثم قال : علم وجود الضعف منك - أيها العبد - فقلل أعدادها بجعل الخمسين خمسة وعلم احتياجك إلى فضله وكرمه فكثر أمدادها - بفتح الهمزة جمع مدد - أي ثوابها وأسرارها فجعلها خمساً في الفعل وخمسين في الأجر . فاحمده على ما أنعم واشكره على ما تفضل وتكرم
    ( 121 ) متى طلبت عوضاً على عمل طولبت بوجود الصدق فيه ويكفي المريب وجدان السلامة
    أي متى طلبت - أيها المريد - من مولاك عوضاً أي ثواباً على عمل عملته كما هو شأن التجار طولبت منه بوجود الصدق أي الإخلاص فيه من شهود
    2 - يكفي العبد جزاء على عمله قبول ذلك العمل عند الله . . ص 98
    الأغيار فإن الجزاء إنما يكون على كامل ولا كمال عندك إذ ذاك فإنك إنما عملت لحظ نفسك لا لوجه مولاك فصرت كأجير السوء أن لم يأخذ الأجرة لم يعمل ويكفي المريب أي المرتاب في كون مولاه يعطيه الأجر وإن لم يقصده بعمله وجدان السلامة من العقاب أي يكفيه أن الله لم يعاقبه على هذا القصد القبيح . وقد كرر المصنف هذا المعنى اهتماماً بشأنه فقال :
    ( 122 ) لا تطلب عوضاً على عمل لست له فاعلاً يكفي من الجزاء لك على العمل أن كان له قابلاً
    أي لا تطلب - أيها المريد - جزاء على عمل لست له فاعلاً في الحقيقة فإن الله يقول في كتابه المكنون : { وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } ( 96 ) الصافات . وإذا كان مولاك هو الفاعل في الحقيقة وجعلك محلاً لظهور فعله تفضلاً منه فكيف تطلب جزاء على غير فعلك . يكفي من الجزاء لك على العمل الذي هو لك بطريق المجاز أن كان - بفتح الهمزة - أي كونه له قابلاً ولم يؤاخذك بعدم الصدق فيه من حيث إنه من كسبك
    ( 123 ) إذا أراد أن يظهر فضله عليك خلق ونسب إليك
    أي إذا أراد الله سبحانه أن يظهر فضله وإحسانه عليك - أيها المريد - خلق العمل الصالح فيك ونسبه إليك على ألسنة العبيد بأن يطلق ألسنتهم بأنك مطيع . فينبغي لك أن تشهد هذا الفضل العظيم وتستحي من مولاك الكريم لتتأدب بقول سهل بن عبد الله رضي الله عنه : إذا عمل العبد حسنة وقال : يا رب أنت بفضلك استعملت وأنت أعنت وأنت سهلت . شكر الله تعالى له ذلك وقال له : يا عبدي بل أنت أطعت وأنت تقربت وإذا نظر إلى نفسه
    ص 99
    وقال : أنا عملت وأنا أطعت وأنا تقربت . أعرض الله تعالى عنه وقال : يا عبدي أنا وفقت وأنا أعنت وأنا سهلت . وإذا عمل سيئة وقال : يا رب أنت قدرت وأنت قضيت وأنت حكمت . غضب المولى عليه وقال له : يا عبدي بل أنت أسأت وأنت جهلت وأنت عصيت . وإذا قال : يا رب أنا ظلمت وأنا أسأت وأنا جهلت . أقبل المولى عليه وقال : يا عبدي أنا قضيت وأنا قدرت وقد غفرت وحلمت وسترت
    ( 124 ) لا نهاية لمذامك أن أرجعك إليك ولا تفرغ مدائحك أن أظهر جوده عليك
    أي لا نهاية لما تذم به - أيها المريد - من القبائح أن أرجعك مولاك إلى نفسك وخلى بينك وبينها - فإن النفس أمارة بالسوء - وذلك من علامات الطرد والإبعاد . ولا تفرغ أي لا تنتهي مدائحك أي محاسنك التي تمدح بها أن أظهر جوده عليك ونصرك على نفسك فتكون ممن رحمه واجتباه ووفقه لما يحبه ويرضاه
    ( 125 ) كن بأوصاف ربوبيته متعلقاً وبأوصاف عبوديتك متحققاً
    أي كن - أيها المريد - متعلقاً بأوصاف ربوبيته تعالى من غنى وعز وقوة وعلم ونحو ذلك بأن تشاهد أن هذه الأوصاف إنما هي لمولاك فقط وإذا وجدت في غيره فهي عارية منه تعالى ولا تشهد هذا المشهد إلا إذا تحققت بأوصاف عبوديتك من الفقر والذل والعجز والجهل ونحو ذلك . فإذا تحققت بما هو لك وتعلقت آمالك بما هو له أمدك بأوصافه فتكون غنياً بالله عزيزاً بالله قادراً بالله عالماً بالله إلى غير ذلك . كما سيقول المصنف : تحقق بأوصافك يمدك بأوصافه . ثم ذكر ما هو كالدليل لهذه الحكمة بقوله :
    أكبر معاصي القلب ادعاء شيء من أوصاف الربوبية . . ص 100
    ( 126 ) منعك أن تدعي ما ليس لك مما للمخلوقين أفيبيح لك أن تدعي وصفه وهو رب العالمين ؟
    أي حرم عليك مولاك أن تدعي شيئاً ليس لك مما هو للمخلوقين من الأموال أفيبيح لك أن تدعي وصفه وهو رب العالمين ذو العزة والجلال . فإذا ادعيت أنك غني أو عزيز أو قوي أو عظيم أو عالم كان ذلك من أكبر معاصي القلب لما في ذلك من مشاركة المربوب للرب ولا شيء عند العارفين أقبح من وجوب الشركة في قلب العبد بادعاء شيء من أوصاف رب العالمين . وفي الحديث القدسي : " الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحدة منهما ألقيته في النار " . وفي الحديث النبوي : " لا أحد أغير من الله تعالى " . ومعنى الغيرة في حقه سبحانه أن لا يرضى بمشاركة غيره له فيما اختص به من صفات الربوبية وفيما هو حق له من الأعمال الدينية . وهذا المعنى الذي ضمنه
    ص 101
    المؤلف هذه الحكمة هو الغرض الأقصى للسادة الصوفية فإن كل ما صنفوه وسيلة لهذا المقصد الشريف الذي هو موت النفس وإسقاط حظوظها بالكلية وحينئذ يتصف العبد بصدق العبودية والإخلاص للربوبية
    ( 127 ) كيف تخرق لك العوائد ؟ وأنت لم تخرق من نفسك العوائد
    أي لا تطمع - أيها المريد - في خرق العوائد لك بأن تظهر على يدك الكرامات وأنت لم تخرق من نفسك العوائد التي اعتدها من سيئ الأحوال والاسترسال مع الشهوات . فإنه قد جرت عادة الله بأن لا تخرق العوائد إلا لمن فني عن حظوظه ولم يكن لها بقاصد . فإن لم تصل إلى هذا المقام لم تكن من أهلها والسلام . فإن ظهر على يدك صورة كرامة فربما كان ذلك استدراجاً فخف من ظهورها على يد واتخذ التباعد عن الركون إليها منهاجاً
    ( 128 ) ما الشأن وجود الطلب إنما الشأن أن ترزق حسن الأدب
    أي ليس الشأن المعتبر عند المحققين وجود الطلب لحوائجك من مولاه وإنما الشأن المعتبر أن ترزق حسن الأدب مع من خلقك وسواك بتفويض الأمر إليه والرضا بما قسم والاشتغال بذكره والاعتماد عليه . لما في الحديث : " من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين "
    الذلة والافتقار إلى الله توجب النصر . . ص 102
    ( 129 ) ما طلب لك شيء مثل الاضطرار ولا أسرع بالمواهب إليك مثل الذلة والافتقار
    أي ما طلب لك - أيها المريد - الحوائج من الله تعالى شيء مثل الاضطرار إليه إذ به تقع الإجابة لقوله سبحانه : { أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاه } ( 62 ) النمل . فقوله طلب مبني للفاعل الذي هو شيء فيكون شبه الاضطرار بشخص طالب . ويحتمل بناؤه للمفعول وشيء نائب فاعل على معنى أن أحسن مطلوب يطلبه العبد الاضطرار وهو أن لا يتوهم من نفسه حولاً ولا قوة ولا يرى لنفسه سبباً من الأسباب يعتمد عليه أو يستند إليه بل يكون بمنزلة الغريق في البحر أو التائه في التيه القفر لا يرى لغياثه إلا مولاه ولا يرجو لنجاته من هلكته أحداً سواه . والذلة والافتقار أمران موجبان لإسراع مواهب الحق تعالى إلى العبد المتصف بهما وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى : { وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ } ( 123 ) آل عمران . فذلتهم أوجبت عزتهم ونصرتهم كما قيل في هذا المعنى :
    وإذا تذللت الرقاب تقرباً منها إليك فعزها في ذلها
    وما ألطف قول بعضهم :
    حيث أسلمتني إلى الذال واللا م تلقيتني بعين وزاي
    وافهم هاهنا قوله صلى الله عليه وسلم : " لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة "

    عبدالله محمد
    نائب المدير والاداره
    نائب المدير والاداره

    عدد المساهمات : 171
    تاريخ التسجيل : 13/10/2008
    العمر : 48
    الموقع : بحر الشمال جزيرة ارهوس

    رد: كتاب شرح الحكم العطائية سيدي بن عطاء الله السكندري

    مُساهمة من طرف عبدالله محمد في الخميس أكتوبر 16, 2008 2:02 pm


    ) الأعراف . كما وضح ذلك بقوله : لو ظهرت صفاته اضمحلت مكوناته لأنه لا ارتباط بين
    ص 103
    ( 130 ) لو أنك لا تصل إليه إلا بعد فناء مساويك ومحو دعاويك لم تصل إليه أبداً . ولكن إذا أراد أن يوصلك إليه غطى وصفك بوصفه ونعتك بنعته فوصلك إليه بما منه إليك لا بما منك إليه
    أي لو أنك لا تصل إلى الله تعالى - أيها المريد - إلا بعد فناء مساويك أي عيوبك ومحو دعاويك التي تدعيها من نسبة الأعمال إلى نفسك لم تصل إليه أبداً لأن المساوي والدعاوي طبعك ولو لم يكن إلا إرادتك تحصيل هذا الغرض بنفسك لكان كافياً فلو تأملت وجدت محاسنك كلها مساوي ولو كنت رأس المخلصين وأحوالك كلها دعاوي ولو كنت أصدق الصادقين . { وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا } ( 21 ) النور . ولذا قال أبو العباس المرسي : لن يصل الولي إلى الله حتى تنقطع عنه شهوة الوصول إلى الله تعالى يعني انقطاع أدب لا انقطاع ملل . وقوله : غطى وصفك بوصفه أي أظهر لك من صفاته السنية ما تغيب به عن صفاتك البشرية فتكون في مقام الحب الذي قال في صاحبه : " فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش به ورجله التي يمشي بها " . وصاحب هذا المقام لا تكون له إرادة مع مولاه لأنه ما وصل إلى الله إلا بما من الله . { ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } ( 54 ) المائدة
    الستر في المعصية . . ص 104
    ( 131 ) لولا جميل ستره لم يكن عمل أهلاً للقبول
    أي لولا ستره تعالى الجميل لم يكن عمل من الأعمال أهلاً للقبول لفقد شرطه من الإخلاص . فإن العبد مبتلى بنظره إلى نفسه وفرحه بعمله من حيث نسبته إليه وشهوده حوله وقوته عليه وهذا من الشرك الخفي القادح في الإخلاص . فينبغي للمريد أن يعتمد على فضل الله وكرمه لا على اجتهاده وعمله
    ( 132 ) أنت إلى حلمه إذا أطعته أحوج منك إلى حلمه إذا عصبته
    أي أنت - أيها العبد - إلى حلمه تعالى في حال عملك بطاعته أحوج منك إلى حلمه في حال تلبسك بمعصيته لأن طاعتك ربما تكون مصحوبة بنظرك إلى نفسك واستعظام عملك وذلك يوجب الخسة وسقوط المنزلة عند ربك . وأما معصيتك فقد تكون مصحوبة باضطرار وافتقار مقرونة بذلة واحتقار وذلك يوجب الشرف والرفعة عنده سبحانه . وفي هذا زيادة تحذير من رؤية استحقاق الوصول بالأعمال فإنه جهل مركب لا يسلم منه إلا كمل الرجال
    ( 133 ) الستر على قسمين : ستر عن المعصية وستر فيها . فالعامة يطلبون من الله تعالى الستر فيها خشية سقوط مرتبتهم عند الخلق والخاصة يطلبون من الله الستر عنها خشية سقوطهم من نظر الملك الحق
    يعني : أن العامة يطلبون الستر في المعصية خوف اطلاع الناس عليهم فهم { يَسْتَخْفُونَ مِنْ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنْ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ } ( 108 ) النساء . قال ابن عباس في قوله تعالى : { يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ } ( 19 ) غافر . هو الرجل يكون في القوم فتمر به المرأة فيريهم أنه يغض بصره عنها فإذا رأى من القوم غفلة
    ص 105
    لحظ إليها . وهذا شأن المرائين الذين يستخفون بنظر الجبار ويهابون الناس أن يطلعوا عليهم فيما يرتكبونه من الأوزار . وأما الخاصة فهم يطلبون من الله الستر عنها بأن يجعل بينهم وبينها حاجباً حتى لا تخطر بقلوبهم خشية سقوطهم من نظر الملك الحق . وإلى هذا المعنى أشار أبو الحسن الشاذلي في دعائه بقوله : اللهم إنا نسألك التوبة ودوامها ونعوذ بك من المعصية وأسبابها وذكرنا بالخوف منك قبل هجوم خطراتها واحملنا على النجاة منها ومن التفكر في طرائقها
    ( 134 ) من أكرمك فإنما أكرم فيك جميل ستره فالحمد لمن سترك ليس الحمد لمن أكرمك وشكرك
    أي من أكرمك من العباد بعطاء أو محبة فإنما أكرم فيك جميل ستره تعالى أي ستره الجميل عليك فإنه لولا جميل ستره ما نظروا بعين الرضا إليك بل لو نظروا إلى ما فيك من العيوب لاستقذروك ونفروا منك وطرحوك . فلا تعبثك رؤية إكرام الخلق لك لجهلهم بعيبك على حمدهم على ذلك دون حمد ربك فتضع الحمد في غير موضعه فإن الحمد لا ينبغي أن يكون إلا لمن سترك ليس الحمد لمن أكرمك وشكرك . وإنما تحمده من حيث إجراء الخير على يديه فقط لا من حيث إنه المكرم الحقيقي إذ ليس ذلك إلا الله . قال تعالى : { وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْ اللَّهِ } ( 53 ) النحل
    ( 135 ) ما صحبك إلا من صحبك وهو بعيبك عليم وليس ذلك إلا مولاك الكريم . خير من تصحب من يطلبك لا لشيء يعود منك إليه
    يعني : ليس الصاحب الحقيقي إلا من صحبك وأقبل عليك بإحسانه
    الحجاب الموهوم . . ص 106
    العميم مع علمه بعيبك وليس ذلك إلا مولاك الكريم . وخير صاحب لك من يطلبك ويعتني بك لا لشيء يعود منك إليه وليس ذلك إلا مولاك الحليم فاجعل توكلك عليه . ومقصوده الحث على مجانبة الخلائق والرضا بصحبة المحسن الخالق . كما قال بعضهم :
    خذ عن الناس جانبا وارض بالله صاحبا
    قلب الناس كيف شئ ت تجدهم عقاربا
    نعم : صحبة من يدل على أمر محمود من حيث كونه يقرب العبد إلى مولاه
    ( 136 ) لو أشرق لك نور اليقين لرأيت الآخرة أقرب إليك من أن ترحل إليها ولرأيت محاسن الدنيا قد ظهرت كسفة الفناء عليها
    أي لو أشرق لك - أيها المريد - نور اليقين الذي به تحق الحق وتبطل الباطل لرأيت الآخرة حاضرة لديك لأنها حق فتكون أقرب إليك من أن ترحل إليها . ولرأيت أي أبصرت محاسن الدنيا الحاضرة لديك قد ظهرت كسفة الفناء عليها أي الفناء الشبيه بالكسفة - بكسر الكاف - وهي القطعة التي تغطي الشيء أو بفتحها أي الكسوف والتغيير لأنها باطلة فيوجب لك هذا النظر اليقيني الزهد في الدنيا والإقبال على الآخرة
    ( 137 ) ما حجبك عن الله وجود موجود معه ولكن حجبك عنه توهم موجود معه
    أي ما حجبك - أيها المريد - المحجوب عن الله تعالى وجود موجود من الأكوان الدنيوية أو الأخروية معه إذ لا وجود في الحقيقة لما سواه . كما قال بعض العارفين :
    ص 107
    الله قل وذر الوجود وما حوى إن كنت مرتاداً بلوغ كمال
    فالكل دون الله أن حققته عدم على التفصيل والإجمال
    واعلم بأنك والعوالم كلها لولاه في محو وفي اضمحلال
    من لا وجود لذاته من ذاته فوجوده لولاه عين محال
    والعارفون بربهم لم يشهدوا شيئاً سوى المتكبر المتعال
    ورأوا سواه على الحقيقة هالكاً في الحال والماضي والاستقبال
    ولكن حجبك عنه تعالى توهم موجود معه أي توهمك أن ما سواه له وجود . والتوهمات باطلة لا حقيقة لها فلا حاجب لك عن الله تعالى . فإن وجود الآثار كوجود الظلال فمن شهد ظلية الآثار لم يحصل له عائق عن الله . فإن ظلال الأشجار في الأنهار لا تعوق السفن عن التسيار . ولو كان بينك وبين الله حجاب وجودي للزم أن يكون أقرب إليك منه ولا شيء أقرب من الله . فالحجاب حينئذ أمر توهمي بلا اشتباه
    ( 138 ) لولا ظهوره في المكونات ما وقع عليهم وجود إبصار . لو ظهرت صفاته اضمحلت مكوناته
    أي لولا تجليه سبحانه وتعالى من وراء حجاب المكونات أي من وراء حجاب هو هي ما وقع عليها إبصار أي ما وجدت فلا يقع عليها إبصار . ولو تجلى التجلي الحقيقي الذي لا خفاء معه لاضمحلت وتلاشت بدليل قوله تعالى : { فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقَاً } ( 143 ص 108
    القديم والحادث . فظهوره سبحانه من وراء حجاب المكونات هو الذي أوجب ظهورها
    ( 139 ) أظهر كل شيء لأنه الباطن وطوى وجود كل شيء لأنه الظاهر
    يعني : أن مقتضى اسمه تعالى الباطن أن لا يشاركه في البطون شيء فلذا أظهر كل شيء أي جعل الأشياء كلها ظاهرة ولا باطن فيها غيره ومقتضى اسمه تعالى الظاهر أن لا يشاركه في الظهور شيء فلذا طوى وجود كل شيء أي لم يجعل لغيره وجوداً من ذاته بل المكونات جمعيها في الحقيقة عدم محض لأنه لا وجود لها إلا من وجوده . فالحق تعالى هو الموجود بكل اعتبار لأنه الظاهر من جهة التعريف الباطن من جهة التكييف
    ( 140 ) أباح لك أن تنظر ما في المكونات وما أذن لك أن تقف مع ذوات المكونات { قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ } ( 101 ) يونس . فتح لك باب الأفهام ولم يقل انظروا السماوات لئلا يدلك على وجود الأجرام
    يعني : أمرك الله تعالى أن تنظر ما في المكونات من آثار قدرته وبدائع صنعته لتستدل بذلك على آثار الأسماء والصفات . وما أذن لك أن تقف مع ذوات المكونات فإنه سبحانه ما نصب لك الكائنات لتراها بل لترى فيها مولاها . كما قيل في ذلك :
    ما أبينت لك العوالم إلا لتراها بعين من لا يراها
    فارق عنها رقي من ليس يرضى حالة دون أن يرى مولاها
    فقوله سبحانه : { انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ } ب ( في الظرفية ) المشعرة بأن الاعتبار بالمظروف دون الظرف فتح لك - أيها المريد - باب الأفهام فتفهم
    محو الأكوان بأحدية ذاته . . ص 109

    عبدالله محمد
    نائب المدير والاداره
    نائب المدير والاداره

    عدد المساهمات : 171
    تاريخ التسجيل : 13/10/2008
    العمر : 48
    الموقع : بحر الشمال جزيرة ارهوس

    رد: كتاب شرح الحكم العطائية سيدي بن عطاء الله السكندري

    مُساهمة من طرف عبدالله محمد في الخميس أكتوبر 16, 2008 2:05 pm

    ص 109
    أنها موجودة لغيرها لا لذاتها فتنظر في الأكوان لتصل إلى معرفة الرحمن
    ( 141 ) الأكوان ثابتة بإثباته وممحوة بأحدية ذاته
    يعني : أن الأكوان من حيث ذاتها عدم محض ولم تكن ثابتة إلا بإثباته تعالى وإيجاده لها وظهوره فيها . فالثبوت لها أمر عرضي وإلا فهي في الحقيقة ممحوة بأحدية ذاته . فمن نظر إلى أحدية ذاته لم يجد للأكوان ثبوتاً وإنما لها ثبوت عند من نظر إلى الواحداية لأن الأحدية عند العارفين هي الذات البحت أي الخالصة عن الظهور في المظاهر وهي الأكوان والواحدية هي الذات الظاهرة في الأكوان فيكون للأكوان حينئذ ثبوت باعتبار ظهور الحق فيها . ولذا يقولون : الأحدية بحر بلا موج والوحدانية بحر مع موج فإن الحق سبحانه عندهم كالبحر والأكوان كالأمواج التي يحركها ذلك البحر فهي ليست عينه ولا غيره . هذا هو توحيد العارفين . وقد كرر المصنف الكلام عليه في هذا الكتاب وأبرزه في عبارات مختلفة محاولة على أن يحق عندك الحق ويبطل الباطل
    وقد أفرده بعضهم بالتأليف وتكلم على وحدة الوجود بما لا مزيد عليه آه شرقاوي
    ( 142 ) الناس يمدحونك لما يظنونه فيك فكن أنت ذاماً لنفسك لما تعلمه منها
    يعني أن الناس إنما يمدحونك - أيها المريد - لما يظنونه فيك من الأوصاف
    ص 110
    الحميدة فكن أنت ذاماً لنفسك لما تعلمه منها من العيوب والقبائح العديدة ولا تغتر على كل حال من الأحوال بمدح المادح فإنه السم القتال لأن من فرح بمدح نفسه أوقعها في الغرور وساق إليها ما لا يطاق من أنواع الشرور . بل قل إذا مدحك المادحون : اللهم اجعلنا خيراً مما يظنون ولا تؤاخذنا بما يقولون واغفر لنا ما لا يعلمون
    ( 143 ) المؤمن إذا مدح استحيا من الله أن يثنى عليه بوصف لا يشهده من نفسه
    أي : المؤمن الحقيقي إذا مدحه الناس بوصف ليس فيه عد ذلك من إحسان الله عليه واستحيا منه تعالى أن يثني الناس عليه بوصف محمود لا يشهده من نفسه فيرجع على نفسه بالمقت والاستحقار ويكثر الشكر لربه الذي أظهر له محاسن عند الناس لم يكن له عليها اشتهار فينال بذلك الشكر المزيد مع سلامته من السكون إلى ثناء العبيد
    ( 144 ) أجهل الناس من ترك يقين ما عنده لظن ما عند الناس
    يعني : أن من ترك يقين ما عنده من عيوب نفسه لظن ما عند الناس أي للظن الذي عند الناس من صلاح حاله فهو أكثر الناس جهلاً لأنه قدم الظن على اليقين وقدم ما عند غيره على ما يعلمه من نفسه وهذا من الضلال المبين . وقد حكي أن بعض الحكماء مدحه بعض العوام فبكى فقال تلميذه : أتبكي وقد مدحك فقال له : إنه لم يمدحني حتى وافق بعض خلقي خلقه فلذلك بكيت . فانظر بعين بصيرتك فقد نبهك الحكيم العليم
    ( 145 ) إذا أطلق الثناء عليك ولست بأهل فأثن عليه بما هو أهله
    أي إذا أطلق مولاك ألسنة الناس بالثناء عليك ولست بأهل للثناء لعلمك
    بسط العطاء وقبض المنع . . ص 111
    بعيوب نفسك وتقصيرها كما هو شأن المؤمن فأثن عليه سبحانه بما هو أهله شكراً لنعمة إطلاق الألسن بالثناء عليك حيث ستر القبيح وأظهر المليح . ولا تغتر بمدح المادحين فتهلك مع الهالكين
    ( 146 ) الزهاد إذا مدحوا انقبضوا لشهودهم الثناء من الخلق والعارفون إذا مدحوا انبسطوا لشهودهم ذلك من الملك الحق
    يعني : أن الزهاد الذين هم في غيبة عنه تعالى إذا مدحهم المادح انقبضوا خوفاً من الاغترار القاطع لهم عن الله لشهودهم الثناء صادراً من الخلق . والعارفون الحاضرون مع ربهم إذا مدحوا انبسطوا لشهودهم ذلك من الملك الحق لأنهم لا يشاهدون معه غيره بل يقولون ألسنة الخلق أقلام الحق وهذا محمل قوله صلى الله عليه وسلم : " إذا مدح المؤمن في وجهه ربا الإيمان في قلبه " . ولذا كان المصنف يمدح شيخه المرسي فيقع عند المدح موقعاً عظيماً . وصاحب هذا المقام إذا ذمه أحد لا يجد في نفسه عليه ولا يؤذيه لعدم شهوده الذم صادراً منه
    ( 147 ) متى كنت إذا أعطيت بسطك العطاء وإذا منعت قبضك المنع فاستدل بذلك على ثبوت طفوليتك وعدم صدقك في عبوديتك
    أي : متى كنت - أيها المريد - تجد من نفسك أنك إذا أعطيت شيئاً مراداً لك بسطك العطاء وإذا منعت منه قبضك المنع فاستدل بذلك على تطفلك على أهل الله وادعاء ما لهم من المقامات ولست منهم فتكون كالطفيلي الذي يدخل مع الأضياف في ضيافتهم ولا يستحق الدخول معهم واستدل بذلك أيضاً على عدم صدقك في عبوديتك . فإن البسط عند العطاء والقبض عند المنع من
    ص 112
    علامات بقاء الحظ للنفس والعمل على نيله وهو مناقض للعبودية عند العارفين . فإن العارف يستوي عنده كل ما فعله سيده ساءه أم سره
    ( 148 ) إذا وقع منك ذنب فلا يكن سبباً ليأسك من حصول الاستقامة مع ربك فقد يكون ذلك آخر ذنب قدر عليك
    أي إذا وقع منك - أيها المريد - ذنب على حسب مقامك فلا يكن سبباً مقتضياً ليأسك من حصول الاستقامة أي اعتدال الأحوال في العبودية مع ربك لأن الاستقامة لا يناقضها فعل الذنب فلتة إذا جرى القدر بذلك وإنما يناقضها الإصرار عليه والعزم على فعله ثانيا . فالواجب عليك حينئذ أن تبادر بالتوبة منه فإنه قد يكون آخر ذنب قدر عليك فتستديم بعده الاستقامة
    ( 149 ) إذا أردت أن يفتح لك باب الرجاء فاشهد ما منه إليك وإذا أردت أن يفتح لك باب الخوف فاشهد ما منك إليه
    أي إذا أردت - أيها المريد - أن يفتح الله لك باب الرجاء حتى ترجوه فاستحضر بقلبك ما هو واصل منه تعالى إليك من الفضل والكرم ومزيد الإحسان الذي لا يحصيه القلم . وإذا أردت أن يفتح لك باب الخوف فاشهد أي استحضر ما هو واصل منك إليه من عظيم المخالفات وارتكاب السيئات . فإذا غلب عليك هذا الحال . اشتد بك الحزن وبادرت بصالح الأعمال . فالرجاء والخوف حالان ناشئان عن هاتين المشاهدتين فاعمل بهما - أيها المريد - لتشرب بالكأسين
    ( 150 ) ربما أفادك في ليل القبض ما لم تستفده في إشراق نهار البسط { لا تدرون . . . . }
    أي ربما أفادك مولاك - أيها العارف - من المعارف والأسرار في حال
    مطالع الأنوار . . ص 113
    القبض الشبيه بالليل بجامع السكون في كل ما لم تستفده في إشراق البسط الشبيه بالنهار بجامع الانتشار . فإن صاحب البسط يحب نشر ما عنده من الأسرار و المعارف و ربما حصل له الحجب بذلك بخلاف صاحب القبض . و لذا آثره العارف . و لكن الأولى له أن يكل الأمر إلى مولاه و يختار ما يختاره له سيده و يرضاه . فإنه لا يدري أيهما أقرب إليه نفعاً كما أشارت إلى ذلك الآية الكريمة التي وردت في الآباء و الأبناء جمعاً
    ( 151 ) مطالع الأنوار القلوب و الأسرار
    يعني : أن مواضع طلوع الأنوار المعنوية و هي نجوم العلم و أقمار المعرفة و شموس التوحيد إنما هي قلوب العارفين و أسرارهم فهي كالسماء التي تشرق فيها الكواكب بل تلك الأنوار المعنوية أشد إشراقاً في الحقيقة من الكواكب الحسية . وقد قال بعض العارفين : إذا كان الله تعالى قد حرس السماء بالكواكب والشهب كي لا يسترق السمع منها فقلب المؤمن أولى بذلك أي لأنه عرش تجلي الحق كما يشير إليه قوله سبحانه في الحديث القدسي : " ما وسعني أرضي ولا سمائي وإنما وسعني قلب عبدي المؤمن " فتأمل هذا الأمر الأعلى الذي أعطيه هذا القلب حتى صار لهذه الرتبة أهلاً ومن هنا قال أبو الحسن الشاذلي : لو كشف عن نور المؤمن العاصي لطبق ما بين السماء والأرض فما ظنك بنور المؤمن المطيع ؟
    ص 114
    ( 152 ) نور مستودع في القلوب مدده من النور الوارد من خزائن الغيوب
    يعني أن النور على قسمين : نور يكشف الله به عن آثاره كنور الشمس - وسيأتي في الحكمة بعد هذه - ونور مستودع في القلوب وهو نور اليقين الذي أودعه الله في قلوب عباده العارفين ومدده الذي يستمد ويتزايد منه ضياء إنما هو من النور الوارد من خزائن الغيوب وهو نور الأوصاف الأزلية . كقوله فيما تقدم : أنار الظواهر بأنوار آثاره وأنار السرائر بأنور أوصافه . وكقوله هنا :
    ( 153 ) نور يكشف لك به عن آثاره . ونور يكشف لك به عن أوصافه
    فالنور المدرك بالحواس كنور الشمس والقمر يكشف لك به عن آثاره وهي الأكوان فتستدل بالأثر على المؤثر
    وأما النور الذي يكشف لك به عن أوصافه فهو المستودع في القلوب من نور اليقين الذي يكشف لك به عن أوصافه الأزلية الجمالية والجلالية حتى تراها عياناً ولا تحتاج معه إلى دليل فإنك تشهد به المؤثر . وشتان بين النورين
    أسأل الله تعالى أن يرزقنا نور اليقين بجاه سيد الكونين . وما ألطف قول بعض العارفين :
    هذه الشمس قابلتنا بنور ولشمس اليقين أبهر نورا
    فرأينا بهذه النور لكن بهاتيك قد رأينا المنيرا
    ( 154 ) ربما وقفت مع القلوب مع الأنوار كما حجبت النفوس بكثائف الأغيار
    أي ربما وقفت عن سيرها القلوب وهي نورانية مع الأنوار التي هي لطائف الأغيار من العلوم والأسرار الربانية فتحجب بها كما حجبت النفوس وهي ظلمانية بكثائف الأغيار أي بالأغيار الكثيفة كالشهوات والعادات الإنسانية . فالأنوار حجاب نوراني والعادات والشهوات حجاب ظلماني والحق وراء ذلك كله . كما قال بعض العارفين :
    وصل الأولياء طريق للوصول إلى الله . .

    عبدالله محمد
    نائب المدير والاداره
    نائب المدير والاداره

    عدد المساهمات : 171
    تاريخ التسجيل : 13/10/2008
    العمر : 48
    الموقع : بحر الشمال جزيرة ارهوس

    رد: كتاب شرح الحكم العطائية سيدي بن عطاء الله السكندري

    مُساهمة من طرف عبدالله محمد في الخميس أكتوبر 16, 2008 2:10 pm

    ص 115
    تقيدت بالأوهام لما تداخلت عليك و نور العقل أورثك السجنا
    و همت بأنوار فهمنا أصولها و منبعها من أين كان فما همنا
    و قد تحجب الأنوار للعبد مثل ما يبعد من إظلام نفسٍ حوت ضعنا
    ( 155 )
    ستر أنوار السرائر بكثائف الظواهر إجلالاً لها أن تبتذل بوجود الإظهار وأن ينادى عليها بلسان الاشتهار
    يعني : أن الله سبحانه ستر أنوار قلوب أوليائه وهي ما تحققوا به من العلوم والمعارف بالظواهر الكثيفة أي الأحوال التي يتعاطونها كالصنائع كما تقدم في قوله : سبحان من ستر سر الخصوصية بظهور البشرية . وإنما ستر هذه الأنوار مع أن من حقها الظهور التام لأجل صونها عن أن تبتذل بسبب وجود الإظهار لها أو ينادى عليها بلسان الاشتهار فإن في ذلك نوعاً من الاستخفاف بها . ولذلك ترى أهلها يبخلون بها إلا بالرمز والإشارة أدباً مع مولاهم وصوناً لنفيس ما خولهم وأعطاهم
    ( 156 )
    سبحان من لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه ولم يوصل إليهم إلا من أراد أن يوصله إليه
    يعني : أنه سبحانه كما احتجب بالأكوان عن العقول والأبصار ستر أوليائه بكثائف الظواهر من الصنائع الخسيسة صيانة لهم عن الأغيار
    ولا دليل على معرفتهم إلا العناية الإلهية التي بها عرفت الربوبية . كما قال بعض الأكابر : عرفت ربي بربي ولولا ربي ما عرفت ربي
    فإذا أحبك الله وأراد أن يعرفك بولي من أوليائه طوى عنك وجود بشريته
    ص 116
    وأشهدك وجود خصوصيته . فإنه لم يوصل إليهم إلا من أراد أن يوصله إليه لأنهم أحبابه فلا يحب أن يجمع عليهم إلا من جمع قلبه عليه
    ( 157 )
    ربما أطلعك على غيب ملكوته وحجب عنك الاستشراف على أسرار العباد
    أي ربما أطلعك مولاك - أيها المريد - على ملكوته الغائب عنك كالجنة والنار والعرش والكرسي وغير ذلك وحجب عنك الاستشراف أي الاطلاع على أسرار العباد وما في قلوبهم من خير أو شر لطفا منه تعالى بك فإنك ربما اطلعت على معصية فبادرت بمعاقبة صاحبها وعدم رحمته فتقع في الفتنة أي العجب على الناس بعملك فيكون ذلك سبباً لجر الوبال أي الهلاك إليك . كما قال المصنف :
    ( 158 )
    من اطلع على أسرار العباد ولم يتخلق بالرحمة الإلهية كان اطلاعه فتنة عليه وسبباً لجر الوبال إليه
    وفي الحديث المسلسل بالأولية : " الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى . ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء "
    ( 159 )
    حظ النفس في المعصية ظاهر جلي وحظها في الطاعة باطن خفي ومداواة ما يخفي صعب علاجه
    يعني : أن النفس من شأنها أن تطلب ما فيه حظ لها غير أن حظها في
    ص 117
    المعصية كالزنا وشرب الخمر ظاهر جلي وحظها في الطاعة باطن خفي لأن ظاهرها في الطاعة التقرب إلى الله وفي الباطن ليس لها حظ إلا إقبال الناس والاشتهار بالصلاح بينهم ولا يظهر ذلك إلا بعد التفتيش على دسائسها وهذا هو الداء العضال الخفي . ومداواة ما يخفى صعب علاجه لأنه يحتاج إلى دقة إدراك . ولذا كانت أهل البصائر يتهمون نفوسهم إذا مالت إلى عبادة من العبادات فإذا رأوا فيها حظاً لها تركوها . كما وقع لبعضهم : أنه حدثته نفسه بالخروج إلى الغزو وأظهرت له أن ذلك لله تعالى . فقال : يا رب نبهني لمقصدها فإني متهم لها . وفتش فإذا هو لأجل أن تستريح من تعب مجاهدته لها فإنه كل يوم يقتلها مرات عديدة بمنعها من شهواتها فأرادت أن تقتل مرة واحدة فتستريح فترك الخروج إلى الغزو واشتغل بما هو فيه
    ( 160 )
    ربما دخل الرياء عليك من حيث لا ينظر الخلق إليك
    يعني : أن الرياء كما يدخل في عملك - أيها المريد - إذا عملته بحضرة الناس وهو الرياء الجلي يدخل عليك إذا عملته وحدك . وعلامته أن تقصد بعملك توقير الناس لك والمسارعة إلى قضاء حوائجك وأن تغضب على من قصر في حقك الذي تستحقه عند نفسك وربما تتوعده بمعاجلة العقوبة له من الله تعالى . فمن شاهد من نفسه شيئاً من هذه العلامات فليعلم أنه مراء بعمله وإن أخفاه على سائر المخلوقات . وهذا هو الرياء الخفي الذي هو أخفى من دبيب النمل ولا يسلم منه إلا العارفون الذين غيب الله نظرهم عن رؤية الخلق بما أودعه في قلوبهم من نور اليقين فلا يرجون من الخلق منفعة ولا يخشون منهم مضرة . فأعمال هؤلاء خالصة وإن كانت بين أظهر الناس
    قال بعض العارفين : أعز شيء في الدنيا الإخلاص وكم أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي فكأنه ينبت فيه على لون آخر . فتنبه لذلك والله يتولى هداك
    صدق العبودية طرح الأغيار . . ص 118
    ( 161 ) استشرافك أن يعلم الخلق بخصوصيتك دليل على عدم صدقك في عبوديتك
    أي تطلعك - أيها المريد - وميلك إلى أن يعلم الخلق بخصوصيتك التي خصك الله بها من الأعمال الصالحة ونحوها دليل على عدم صدقك في عبوديتك لأن صدق العبودية طرح الأغيار اكتفاء بعلم العزيز الغفار

    قال بعض العارفين : من أحب أن يطلع الناس على عمله فهو مراء ومن أحب أن يطلع الناس على حاله فهو كذاب . فعلى العبد إخفاء حاله جهده وأن يبلغ في كتمانه أقصى ما عنده . وهذه بالنسبة للمريدين فإن مبنى أمرهم في بدايتهم على الفرار من الخلق والانفراد بشهود الملك الحق وإخفاء الأعمال وكتمان الأحوال تحقيقاً لسلامة قلوبهم وحبا في إخلاصهم لمعبودهم . وأما إذا تمكن اليقين وأيدوا بالرسوخ والتمكين وتحققوا بحقيقة الفناء وردوا إلى وجود البقاء فلا بأس بإظهار الأعمال ومحاسن الأحوال للاهتداء بهديهم والاقتداء بفعلهم

    ثم بين الصدق مع الله في العبودية بقوله
    :
    ( 162 ) غيب نظر الخلق إليك بنظر الحق إليك وغب عن إقبالهم عليك بشهود إقباله عليك

    يعني : إذا أردت أن تكون - أيها المريد - صادقاً في العبودية فغيب نظر الخلق إليك بأن لا يكون لك شهور بنظرهم إليك اكتفاء منك بنظر الله إليك وإقباله عليك فتغيب أدنى الحالين بأعلاهما . فإن نظر الخلق أمر وهمي باطل ونظر الله وإقباله بغية كل عاقل حيث إنهم لا يملكون ضراً ولا نفعاً ولا خفضاً ولا رفعاً

    وأما إذا اغتررت بإقبالهم عليك قبل كمالك فإنه يوجب لك التصنع لهم ومداهنتهم ومعاشرتهم بالنفاق ونحوه ذلك

    ص 119

    ( 163 ) من عرف الحق شهده في كل شيء ومن فني به غاب عن كل شيء . ومن أحبه لم يؤثر عليه شيء

    أي من تحقق في مقام المعرفة بالله تعالى شهده في كل شيء لأن العارف إذا كان في مقام البقاء يرى الخلق والحق ويرى الحق ظاهراً في كل الأشياء وقائماً بها مع عدم غيبته عن نفسه وحسه . بخلاف من فني به أي من تحقق في مقام الفناء فإنه لا يرى في الوجود ظاهراً إلا الله تعالى ويغيب عن كل شيء سواه حتى عن نفسه وحسه فلا يكون منه على الأشياء اعتماد ولا له إليها استناد

    ومن أحبه تعالى لم يؤثر أي لم يقدم عليه سبحانه في المحبة شيئاً من مراداته وشهواته فضلاً عن غيرهما من الخلق لأن حقيقة المحبة أخذ جمال المحبوب بحبة القلب حتى لا يدعه لغيره في حال من الأحوال . فهذه الأمور علامات هذه المقامات . فلا تقبل ممن يدعيها إلا بهذه الشهادات

    ( 164 ) إنما حجب الحق عنك شدة قربه منك

    يعني : أنه لما كان الحق أقرب إلى العبد من حبل الورد كانت شدة القرب حجاباً لأن الحجاب كما يكون بشدة البعد يكون بشدة القرب . فإن اليد إذا قربت من البصر والتصقت به لم يرها . وكذلك الرب لم نره لإحاطته بنا إحاطة تامة وقربه منا قرباً معنوياً

    ثم أكد ذلك بقوله
    :
    ( 165 ) إنما احتجب لشدة ظهوره وخفي عن الأبصار لعظم نوره

    يعني : أن شدة ظهوره بآياته عين خفائه عن الأنام بذاته . كالشمس حجبت بالأنوار عن أن تدركها الأبصار . فهو الباطن الظاهر كما أنه الأول الآخر

    والحجاب في الحقيقة إنما هو من الخلق كضعف البصر عن مقاومة
    في أن طلب العبد يجب أن يكون من أجل إظهار العبودية . . ص 120

    فيضان النور . فإن الظاهر لذاته لا يحجب من ذاته
    وأنشدوا في هذا المعنى :
    لقد ظهرت فلا تخفى على أحد إلا على أكمة لا يدرك القمرا
    لكن بطنت بما أظهرت محتجبا وكيف يعرف من بالعزة اشتهرا
    ( 166 )
    لا يكن طلبك تسبباً إلى العطاء منه فيقل فهمك عنه . وليكن طلبك لإظهار العبودية وقياماً بحقوق الربوبية
    أي لا تقصد بطلبك من الله أن يكون تسبباً أي سبباً موصلاً إلى العطاء منه تعالى فيقل فهمك عنه سبحانه . فإنه ما جعل الحكمة في الطلب ذلك وإنما الحكمة إظهار العبودية أي إظهار كونك عبداً فقيراً لا غنى لك عن سيدك وإن أعطاك كل مطلب . والقيام بحقوق الربوبية من التذلل والخضوع . ولذا قال الشاذلي : لا يكن همك في دعائك الظفر بقضاء حاجتك فتكون محجوباً وليكن همك مناجاة مولاك
    ثم علل كون الطلب لا يكون سبباً للعطاء بثلاث علل ينبغي عد كل واحدة حكمة في نفسها . فقال :
    ( 167 )
    كيف يكون طلبك اللاحق سبباً في عطائه السابق ؟
    أي كيف يكون طلبك فيما لا يزال سبباً في عطائه في الأزل ؟ فإن تعلق الإرادة في الأزل تعلقاً تنجيزياً قديماً لا يكون الطلب سبباً فيه لتأخره عنه والسبب لا بد من تقدمه على المسبب
    ( 168 )
    جل حكم الأزل أن ينضاف إلى العلل
    أي جل حكم الله بحصول ما طلبه الداعي في الأزل أن ينضاف أي ينسب إلى العلل كالطلب . لأنه له الإرادة المطلقة والمشيئة النافذة

    عبدالله محمد
    نائب المدير والاداره
    نائب المدير والاداره

    عدد المساهمات : 171
    تاريخ التسجيل : 13/10/2008
    العمر : 48
    الموقع : بحر الشمال جزيرة ارهوس

    رد: كتاب شرح الحكم العطائية سيدي بن عطاء الله السكندري

    مُساهمة من طرف عبدالله محمد في الخميس أكتوبر 16, 2008 2:12 pm

    ص 121
    وأما العطاء المعلق على الطلب فالسبب في الحقيقة هو تعلق الإرادة في الأزل بأنك تدعوه فيما لا يزال لا نفس الطلب المتأخر
    ( 169 )
    عنايته فيك لا لشيء منك وأين كنت حين واجهتك عنايته وقابلتك رعايته ؟ لم يكن في أزله إخلاص أعمال ولا وجود أحوال . بل لم يكن هناك إلا محض الإفضال وعظيم النوال
    يعني : أن عنايته سبحانه بك في الأزل - بمعنى تعلق إرادته في الأزل بإعطائك ما تطلبه - كانت لا لشيء حصل منك يقتضي حصوله تلك العناية كالدعاء لأنك لم تكن حين واجهتك عنايته وقابلتك رعايته . ولم يكن في أزله إخلاص أعمال بدنية ولا وجود أحوال قلبية . بل لم يكن هناك إلا محض أي خالص الإفضال وعظيم النوال أي العطاء العظيم من المحسن المفضال . فليس الدعاء سبباً مؤثراً في المطلوب وإنما العبرة بما سبقت به إرادة علام الغيوب
    ولذا قال الواسطي : أقسام قسمت وأحكام أجريت كيف تستجلب بحركات أو تنال بسعايات ؟
    ( 170 )
    علم أن العباد يتشوفون إلى ظهور سر العناية فقال : { يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ } ( 105 ) البقرة وعلم أن لو خلاهم وذلك لتركوا العمل اعتماداً على الأزل فقال : { إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ } ( 56 ) الأعراف
    المشيئة لا تستند إلى شيء من الموجودات . . ص 122
    أي علم سبحانه أن العباد يتشوفون - بالفاء - أي يتطلعون إلى ظهور سر العناية التي مقتضاها الرحمة والولاية فيطلبون ذلك بالدعاء والأعمال الصالحة ويعتقدون تأثير ذلك فيه . فقال : { يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ } ( 105 ) البقرة زجراً لهم وقطعاً لطماعيتهم على حد قوله تعالى : { اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } ( 124 ) الأنعام فلا علة لذلك من العباد . وعلم سبحانه أن لو خلاهم أي لو تركهم وذلك أي وملاحظتهم أنها خاصة ببعض الناس وليست عامة لتركوا العمل الذي هو مقتضى العبودية اعتماداً منهم على السابق في الأزل فقال : { إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ } ( 56 ) الأعراف . فجعل الإحسان بالأعمال الصالحة علامة على العناية الأزلية وإن لم يكن علة موجبة لها عند تحقيق القضية . فقم بما أدبك الله به وإن كنت في رقدة فانتبه
    ( 171 )
    إلى المشيئة تستند كل شيء ولا تستند هي إلى شيء
    يعني : أن أدب التوحيد أن يعتقد الإنسان أن كل شيء يستند إلى المشيئة فلا يكون شيء إلا بمشيئة الله تعالى وإرادته أزلاً . وليست تستند هي إلى شيء من الموجودات لاستحالة وجود النقص فيما يجب له الكمال
    فإذا تحقق المريد بذلك تعلق بأحكام الأزل وطرح الأسباب والعلل ولزم العبودية والافتقار وترك التدبير والاختيار
    ص 123
    ( 172 )
    ربما دلهم الأدب على ترك الطلب اعتماداً على قسمته واشتغالاً بذكره عن مسألته
    أي قد يكون من الأدب ترك السؤال والطلب لمن هو مستغرق في الأذكار راض بما يجري عليه من تصاريف الأقدار لما في الحديث القدسي : " من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين "
    كما أنه قد يكون من الأدب السؤال والطلب لما في الحديث النبوي : " الدعاء مخ العبادة " فالتحقيق أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال
    ثم علل ما ذكره من كون الأدب قد يكون في ترك الطلب فقال :
    ( 173 )
    إنما يذكر من يجوز عليه الإغفال وإنما ينبه من يمكن منه الإهمال
    أي إنما يحصل التذكير بالطلب لمن يجوز عليه الإغفال أي السهو وإنما ينبه على المراد منه من يمكن منه الإهمال . وكل من الإغفال والإهمال مستحيل على ذي العزة والجلال فلذا كان ترك الطلب عند بعض العارفين أدباً
    وقد سئل الواسطي رضي الله عنه أن يدعو فقال : أخشى أن دعوت أن
    أعياد المريدين . . ص 124
    يقال لي : أن سألتنا مالك عندنا فقد اتهمتنا وإن سألتنا ما ليس لك عندنا فقد أسأت الثناء علينا وإن رضيت أجرينا لك من الأمور ما قضينا لك في الدهور
    ( 174 )
    ورود الفاقات أعياد المريدين
    يعني : أن أيام موارد الفاقات أي البلايا والمحن هي أعياد المريدين أي الأيام العائدة عليهم بالمسرات والأفراح . فإنهم يفرحون بالفاقات لما فيها من ذل النفس الموصل إلى رب البريات كما تفرح العوام بأيام الأعياد لما فيها من الشهوات التي توصل نفوسهم إلى بلوغ المراد . وما ألطف قول بعض العارفين :
    قالوا غداً العيد ماذا أنت لابسه فقلت خلعة ساق حبه جرعا
    فقر وصبر هما ثوباي تحتهما قلب يرى إلفه الأعياد والجمعا
    أحرى الملابس أن تلقى الحبيب به يوم التزاور في الثوب الذي خلعا
    الدهر لي مأتم أن غبت يا أملي والعيد ما كنت لي مرأى ومستمعا
    ( 175 )
    ربما وجدت من المزيد في الفاقات ما لا تجده في الصوم والصلاة
    أي ربما وجدت - أيها المريد - في الفاقات من مزيد صفاء القلب وطهارة السريرة ما لا تجده في الصوم والصلاة . فإن الفاقات مباينة للهوى والشهوة على كل حال بخلاف الصوم والصلاة فإن حظ النفس قد يعتريهما فيحصل فيهما إخلال
    ( 176 )
    الفاقات بسط المواهب
    يعني : أن الفاقات تدخل المريد حظيرة القدس وتجلسه على بساط الأنس فتحصل له
    المواهب الربانية والنفحات الرحمانية . كما وضح ذلك بقوله :
    ص 125
    ( 177 )
    أن أردت ورود المواهب عليك صحح الفقر والحاجة لديك { إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ } ( 60 ) التوبة
    أي أن أردت ورود المواهب الربانية من الله تعالى عليك صحح الفقر والفاقة لديك بأن تتحقق بهما تحققاً تاماً فلا يكون عندك استغناء بغيره بوجه من الوجوه لقوله تعالى :
    {
    إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ } ( 60 ) التوبة . وتقول في تضرعك :
    إني إليك مدى الأنفاس محتاج لو كان في مفرقي الإكليل والتاج
    ومن صدق الفقير أخذه الصدقة ممن يعطيه على الحقيقة وهو الله تعالى لأنه جعلها له فإن قبلها منه فهو الصادق في فقره لعلو همته وإن قبلها من الوسائط فهو المتوسم بالفقر مع دناءة همته . ثم زاد ذلك وضوحاً بقوله :
    ( 178 )
    تحقق بأوصافك يمدك بأوصافه . تحقق بذلك يمدك بعزه . تحقق بعجزك يمدك بقدرته . تحقق بضعفك يمدك بحوله وقوته
    أي تحقق - أيها المريد - بأوصاف عبوديتك يمدك بأوصاف ربوبيته . ثم فصل هذا المجمل بما بعده : فإذا جلست على بساط الذل وقلت : يا عزيز من للذليل سواك وعلى بساط العجز وقلت : يا قادر من للعاجز سواك وعلى بساط الضعف وقلت : يا قوي من للضعيف سواك وعلى بساط الفقر والفاقة وقلت : يا غني من للفقير سواك وجدت الإجابة كأنها طوع يدك فتصير عزيزاً بالله قادراً بالله قوياً بالله غنياً بالله إلى غير ذلك
    فيمدك بأوصاف الربوبية حيث تحققت بأوصاف العبودية
    حصول النتائج وجني الثمرات . . ص 126

    ( 179 ) ربما رزق الكرامة من لم تكمل له الاستقامة
    يعني : أن الكرامة التي هي الأمر الخارق للعادة لا عبرة بها عند المحققين وإنما الكرامة الحقيقية هي الاستقامة . ومرجعها إلى أمرين : صحة الإيمان بالله تعالى واتباع ما جاء به رسوله صلى الله عليه وسلم ظاهراً وباطناً . ولذا قال أبو يزيد : لو أن رجلاً بسط مصلاه على الماء وتربع في الهواء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه في الأمر والنهي

    وقيل له : أن فلاناً يمر في ليلة إلى مكة فقال : أن الشيطان يمر في لحظة من المشرق إلى المغرب

    وقيل له : أن فلاناً يمشي على الماء فقال : الحيتان في الماء والطير في الهواء أعجب من ذلك

    ( 180 ) من علامة إقامة الحق لك في الشيء إقامته إياك فيه مع حصول النتائج

    يعني : أن من علامة إقامة الله تعالى لك في الشيء كالاكتساب أو التجريد إقامته أي إدامته إياك فيه مع حصول النتائج أي الثمرات كسلامة الدين ووجود الربح من الكسب


    عبدالله محمد
    نائب المدير والاداره
    نائب المدير والاداره

    عدد المساهمات : 171
    تاريخ التسجيل : 13/10/2008
    العمر : 48
    الموقع : بحر الشمال جزيرة ارهوس

    رد: كتاب شرح الحكم العطائية سيدي بن عطاء الله السكندري

    مُساهمة من طرف عبدالله محمد في الخميس أكتوبر 16, 2008 2:14 pm

    ص 127
    ( 181 )
    من عبر من بساط إحسانه أصمتته الإساءة ومن عبر من بساط إحسان الله إليه لم يصمت إذا أساء
    يعني : أن من انبسط لسانه بالنصيحة والموعظة والتكلم في علوم القوم وعبر من بساط إحسانه أي من إحسانه للطاعة الشبيه بالبساط أصمتته أي أسكتته الإساءة فينقبض عن ذلك التعبير عند صدور المعصية منه لما يعتريه من الخجل والحياء من ربه وهذه طريقة أهل التكليف الذين ينظرون إلى ما منهم إلى الله . وأما من عبر من بساط إحسان الله إليه فإنه لم يصمت إذا أساء أي لم يسكت عن التعبير إذا صدرت منه معصية لأن غيبته عن نفسه ومشاهدته لوحدانية ربه أوجبت جراءته على ذلك وهذه طريقة أهل التعريف الذين ينظرون إلى ما من الله تعالى إليهم
    ( 182 )
    تسبق أنوار الحكماء أقوالهم فحيث صار التنوير وصل التعبير
    يعني : أن العارفين بالله تعالى المعبر عنهم بالحكماء إذا أرادوا إرشاد عباد الله توجهوا إلى الله بقلوبهم في هدايتهم واستعدادهم لقبول ما يرد عليهم من أقوالهم فيجيبهم لذلك فيخرج حينئذ من قلوبهم أنوار ناشئة من نور سرائرهم تسبق أقوالهم
    فحيث صار أي حصل التنوير في قلوب السامعين وصل التعبير فينتفعون بأقوالهم أتم انتفاع
    ثم علل ذلك بقوله :
    ( 183 )
    كل كلام يبرز وعليه كسوة القلب الذي منه برز
    يعني : أن اللسان ترجمان القلب . فإذا تطهر القلب من الأغيار وأشرقت عليه الأنوار اكتسى الكلام نوراً وانتفعت به السامعون وازدادوا سروراً . وأما إذا تدنس القلب بالذنوب فإن كلام صاحبه يوجب قسوة القلوب
    في من أذن له بالتعبير . . ص 128
    ( 184 ) من أذن له في التعبير فهمت في مسامع الخلق عبارته وجليت إليهم إشارته
    أي من أذن الله تعالى له من العارفين في التعبير عن الحقائق وهي العلوم الوهبية فهمت في مسامع الخلق عبارته فلم يفتقروا إلى معاودة ولا تكرار . وجُلِّيت - بضم الجيم وشد اللام - أي ظهرت إشارته إليهم فلم يحتاجوا إلى إطناب ولا إكثار . بخلاف غير المأذون له في ذلك كما قال
    :
    ( 185 ) ربما برزت الحقائق مكسوفة الأنوار إذا لم يؤذن لك فيها بالإظهار

    أي ربما برزت الحقائق التي هي العلوم الوهبية مكسوفة الأنوار إذا لم يؤذن لك في إظهارها فتمجها الأسماع ولا يحصل بها للسامعين استبصار

    وقد كان أبو العباس المرسي يقول : كلام المأذون له يخرج وعليه كسوة وطلاوة وكلام الذي لم يؤذن له يخرج مكسوف الأنوار . حتى أن الرجلين ليتكلمان بالحقيقة الواحدة فتقبل من أحدهما وترد على الآخر

    وكان يقول : الولي يكون مشحوناً بالعلوم والمعارف والحقائق لديه مشهودة حتى إذا أعطي العبارة كان كالإذن من الله له في الكلام

    ( 186 ) عباراتهم إما لفيضان وجد أو لقصد هداية مريد فالأول حال السالكين والثاني حال أرباب المكنة والمحققين

    أي عباراتهم التي يعبرون بها عن العلوم والمعارف التي يجدونها في باطنهم لا تكون إلا لأحد أمرين : إما لفيضان وُجد بضم الواو أي لفيضان

    ص 129

    ما يجدونه في قلوبهم من ذلك فيخرج قهراً عنهم وهذا حال السالكين المهديين . وإما لقصد هداية مريد وهم أرباب المكنة أي التمكين فيلزمهم ذلك لما فيه من الإرشاد إلى سلوك سبيل الرشاد

    فإن عبر السالك لا عن غلبة وجد كان في ذلك نوع من الدعوى . وإن عبر المتمكن لغير قصد هداية مريد كان من إفشاء السر الذي لم يؤذن له فيه

    ( 187 ) العبارات قوت لعائلة المستمعين وليس لك إلا ما أنت له آكل

    يعني : أن العبارات التي يعبر بها أهل هذه الطائفة عن العلوم والمعارف هي من حيث معناها قوت لأرواح جماعة المستمعين كما أن الأطعمة الحسية قوت لأبدان المحتاجين لها وهذه الأقوات المعنوية كالأقوات الحسية من حيث إنها تختلف باختلاف الطبائع فكما أن بعض الأطعمة قد يصلح لشخص دون آخر للاختلاف في الطبيعة والمزاج فكذلك الأقوات المعنوية منها ما يصلح لواحد دون آخر . وليس لك إلا ما أنت له آكل أي إلا ما فهمته عنهم لاختلاف المذاهب وتباين المطالب . فقد تلقى العبارة على جماعة فيفهم كل واحد منهم ما لا يفهمه الآخر وقد يفهم بعضهم من الكلام معنى لم يقصده المتكلم ويتأثر باطنه بذلك تأثراً عجيباً وربما فهم منه ضد ما قصده المتكلم كما اتفق أن بعضهم سمع قائلاً يقول
    :
    إذا العشرون من شعبان ولت فواصل شرب ليلك بالنهار

    و لا تشرب بأقداح صغار فإن الوقت ضاف عن الصغار

    فخرج هائماً على وجهه حتى أتى مكة ولم يزل مجاوراً بها حتى مات

    وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى : { قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ } ( 60 ) البقرة
    ما لا ينبغي للسالك . . ص 130
    ( 188 ) ربما عبر عن المقام من استشرف عليه وربما عبر عنه من وصل إليه . وذلك ملتبس إلا على صاحب بصيرة
    يعني : أنه كما يعبر عن أي مقام من مقامات اليقين كمقام الزهد ومقام الورع ومقام التوكل من وصل إليه وتحقق فيه يعبر عنه من استشرف أي اطلع عليه وقارب الوصول إليه ولم يتحقق فيه . وذلك التعبير ملتبس على من بسمعه منهما إلا على صاحب بصيرة فإنه يرى في الكلام صورة المتكلم الباطنة من كمال أو نقص . ولذا قيل : تكلموا تعرفوا

    ( 189 ) لا ينبغي للسالك أن يعبر عن وارداته فإن ذلك يقل عملها في قلبه ويمنعه وجود الصدق مع ربه

    يعني : أنه لا ينبغي للسالك أن يعبر عن الواردات التي ترد عليه من العلوم الوهبية والأسرار التوحيدية اختياراً منه . بل يصونها عن كل أحد إلا عن شيخه . فإن إفشاءها للغير يقل عملها في قلبه من التأثير المحمود فلا يحصل له كمال الانتفاع بها ويمنعه وجود الصدق مع ربه لأن النفس تجد عند التعبير بها لذة وانشراحاً فيغلب عليه حظ نفسه

    ( 190 ) لا تمدن يدك إلى الأخذ من الخلائق إلا أن ترى أن المعطي فيهم مولاك فإذا كنت كذلك فخذ ما وافقك العلم

    أي لا تمدن يدك أيها - أيها المريد - المتجرد إلى الأخذ من الخلائق إلا بشرطين : أشار إلى الأول بقوله : إلا أن ترى أن المعطي فيهم مولاك فلا ترى العطاء الذي يصل إليك إلا منه وأن الخلق أسباب ووسائط فلا تعلق قلبك بهم وإلا كنت عبداً لهم . وأشار إلى الثاني بقوله : فخذ ما وافقك العلم أي

    ص 131

    على أخذه . والمراد : علم الظاهر بأن لا تأخذ إلا من يد مكلف رشيد تقي وعلم الباطن بأن لا تأخذ إلا ما كان على قدر حاجتك بغير استشراف نفس

    ( 191 ) ربما استحيا العارف أن يرفع حاجته إلى مولاه لاكتفائه بمشيئته فكيف لا يستحيي أن يرفعها إلى خليقته ؟

    يعني : أن رفع الهمة لسالكي طريق الآخرة عن المخلوقين مما يوجب قربهم من رب العالمين . فإن العارف ربما استحيا من سؤال المولى تعالى اكتفاء بما قضاه له في الأزل فكيف لا يستحيي من رفع حاجته إلى بعض من العبيد وهم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد . ولذا قال أبو علي الدقاق : من علامة المعرفة أن لا تسأل حوائجك قلت أو كثرت إلا من الله تعالى مثل موسى عليه السلام فإنه اشتاق إلى الرؤية فقال : { قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ } ( 143 ) الأعراف واحتاج مرة إلى رغيف فقال : { فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ } ( 24 ) القصص . وسئل الشاذلي عن الكيمياء فقال : أخرج الخلق من قلبك
    ما يثقل على النفس . . ص 132
    و اقطع يأسك من ربك أن يعطيك غير ما قسم لك
    و قال : ليس يدلك على فهم العبد كثرة عمله و مداومة ورده . و إنما يدل على نوره و فهمه غناه بربه و تحرره من رق الطمع و تحليه بحلية الورع . و بذلك تحسن الأعمال و تصلح الأحوال
    قال الله تعالى : { إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا } ( 7 ) الكهف
    فحسن الأعمال إنما هو بالفهم عن الله . و الفهم هو ما ذكرناه من الغنى بالله و الاعتماد عليه و الاكتفاء به و رفع الحوائج إليه
    ( 192 )
    إذا التبس عليك أمران فانظر أثقلهما على النفس فاتبعه فإنه لا يثقل عليها إلا ما كان حقاً
    يعني : إذا التبس عليك أيها المريد أمران واجبان كطلب ما لابد منه من العلم والسعي على العيال أو مندوبان كطلب علم زائد على ما لا بد منه و الاشتغال بالنوافل فانظر أثقلهما على النفس فاتّبعه فإنه لا يثقل عليها إلا ما كان حقاً أي أولى . فإن شأنها أن تميل إلى الحظوظ وتفر من الحقوق . وهذا بالنسبة لغير النفس المطمئنة وأما هي فقد يخف عليها عمل ما هو أولى فليكن نظر صاحبها حينئذ إلى ما هو أكثر فائدة وأعظم مزية . وقد ذكر بعضهم ميزاناً آخر تعرف به ما هو أولى بالتقديم من غيره عند الالتباس عليك وهو : أن تقدر نزول الموت بك في الوقت فأي عمل سرك أن تكون مشغولاً به إذ ذاك فهو حق وما سواه باطل لأن العبد لا يصدر منه في هذه الحالة إلا العمل
    ص 133
    الصالح الخالص من شوائب الرياء كما هو مقتضى قصر الأمل الذي هو أصل حسن العمل
    إذا علمت ذلك علمت أن من يأخذ في علم غير متعين عليه و لا يجني ثمرته إلا في ثاني حال مع تمكنه في الحالة الراهنة من إيقاع طاعة تزيد مصلحتها عليه بعيد عن درجات الكمال
    نسأل الله السلامة من الغفلة في زمان المهلة فإنها مبدأ كل عمل فاسد ومنشأ وجود الغرة والجهالة لكل عالم وعابد
    ( 193 )
    من علامة اتباع الهوى المسارعة إلى نوافل الخيرات والتكاسل عن القيام بالواجبات
    يعني : أن من علامة اتباع هوى نفسك - أيها المريد - المسارعة عند عقد التوبة إلى نوافل الخيرات من صيام وقيام ونحو ذلك والتكاسل عن القيام بحقوق الواجبات التي عليك كقضاء فائتة واستحلال من ظلامة اتباعاً لما خف على النفس وتركاً لما ثقل عليها فإن حظها في النوافل أن تذكر بها عند الناس بخلاف الفرائض فتحرم الوصول بتضييع الأصول . وقد قالوا : من كانت الفضائل أهم إليه من أداء الفرائض فهو مخدوع
    فاحذر يا أخي أن تكون ممن لم يشتغلوا برياضة نفوسهم التي خدعتهم ولم يعتنوا بمجاهدة أهوائهم التي أسرتهم والله يتولى هداك
    ( 194 )
    قيد الطاعات بأعيان الأوقات كي لا يمنعك عنها وجود التسويف ووسع عليك الوقت كي تبقى لك حصة الاختيار
    يعني : أنه سبحانه أنعم عليك بنعمتين عظيمتين الأولى : أنه قيد لك
    في أن الأعمال سبب دخول الجنة . . ص 134

    عبدالله محمد
    نائب المدير والاداره
    نائب المدير والاداره

    عدد المساهمات : 171
    تاريخ التسجيل : 13/10/2008
    العمر : 48
    الموقع : بحر الشمال جزيرة ارهوس

    رد: كتاب شرح الحكم العطائية سيدي بن عطاء الله السكندري

    مُساهمة من طرف عبدالله محمد في الخميس أكتوبر 16, 2008 2:16 pm

    134
    الطاعات الواجبة عليك بأعيان الأوقات المعينة لوقوعها فيها ولم يطلق وقتها كي لا يمنعك عنها وجود التسويف منك فيفوتك ثوابها . والثانية : أنه وسع عليك الوقت رأفة بك ولم يضيقه عليك كي تبقى حصة الاختيار فتأتي بالطاعة في حال سكون وتمهل في أول الوقت أو في وسطه أو في آخره
    فقم بشكر مولاك على ما أولاك
    ( 195 )
    علم قلة نهوض العباد إلى معاملته فأوجب عليهم وجود طاعته فساقهم إليه بسلاسل الإيجاب " عجب ربك من قوم يساقون إلى الجنة بالسلاسل "
    أي علم الله سبحانه وتعالى قلة نهوض عامة عباده إلى معاملته من إقامة العبودية طوعاً منهم فأوجب عليهم وجود طاعته كرهاً لأجل ما خوفهم به أن لم يفعلوا فساقهم إليه بسلاسل الإيجاب و التخويف و استدرجهم بذلك إلى ما فيه نعيمهم و رفعهم إلى المقام المنيف كما يفعل ولي الصبي عند إرادة تأديبه فإنه لا يتركه إلى طبيعته و أهوائه تجري به بل يلزمه أموراً يشق عاليه فعلها فإذا بلغ مبلغ الرجال تبين له نفعها . فيكونون كأسارى الكفار الذين يراد بهم الدخول في الإسلام و هم يكرهون ذلك مع أنه موصل إلى الجنة دار السلام كما أشار إلى ذلك بالحديث الشريف الذي رواه بالمعنى و لفظه : " عجب اللَّه من أقوام يقادون إلى الجنة بالسلاسل " . و هذا الحديث في أسارى بدر الذين أسروا ثم أسلموا
    و المراد من قوله : ( عجب ربك . . الخ ) إظهار غرابة ذلك الأمر لخلقه
    ص 135
    فيتعجبون منه لأن العجب الذي هو استعظام أمر خفي سببه مستحيل على اللَّه تعالى . واعلم أن الخاصة لا يحتاجون إلى الإيجاب و التخويف و التحذير لتنوير بصائرهم و حبهم لطاعة اللطيف الخبير فلم يقتصروا على ما اقتصر عليه العامة من الواجبات بل أضافوا إليها نوافل الخيرات وصارت أعمالهم كلها قربات . و إلى ذلك الإشارة بقوله صلى اللَّه عليه و سلم : " نعم العبد صهيب لو لم يخف اللَّه لم يعصه "
    ( 196 )
    أوجب عليك وجود خدمته و ما أوجب عليك إلا دخول جنته
    أي أوجب الحق تعالى عليك في الظاهر وجود خدمته و في الحقيقة و نفس الأمر ما أوجب عليك إلا دخول جنته فإنه سبحانه جعل الأعمال سبباً لدخول الجنة
    و المقصود بهذه الحكمة و ما قبلها الإعلام بأن اللَّه تعالى غني عن خلقه لا تنفعه طاعتهم و لا تضره معصيتهم بل التكاليف كلها ترجع إلى ما فيه منفعتهم و اللَّه هو الغني الحميد
    ( 197 )
    من استغرب أن ينقذه اللَّه من شهوته و أن يخرجه من وجود غفلته فقد استعجز القدرة الإلهية { وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا } 45 الكهف
    أي من استغرب أن يخلصه اللَّه من شهوته التي أسرته و أن يخرجه من
    معرفة النعم بفقدانها . . ص 136
    وجود غفلته التي استهوته فقد استعجز : أي نسب القدرة الإلهية إلى العجز و اللَّه تعالى متصف بالاقتدار على كل شيء ممكن و منه الإنقاذ من الشهوات و الإخراج من الغفلات كما قال سبحانه : { وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا } 45 الكهف . فعلى العبد المسيء أن يلزم باب مولاه بالذلة و الافتقار فإنه يسهل عليه ما استصعبه و يرفعه إلى منازل الأبرار فإن اللَّه تعالى إذا أقبل على أهل الخطيئات بدل سيآتهم حسنات
    ( 198 )
    ربما وردت الظلم عليك ليعرفك قدر ما من به عليك
    أي و ربما وردت عليك الشهوات و الغفلات الشبيهة بالظلم بفتح اللام جمع ظلمة ليعرفك سبحانه قدر ما من به عليك من أنوار التجلي في حضرة القرب فيزداد شكرك عند الرجوع لتلك الحالة التي أبعدتها الشهوات و تحرص على القيام بحق النعمة في جميع الأوقات
    فما منهما إلا له فيه نعمة عليك له في مثلها يجب الشكر
    و قد علل ذلك بقوله :
    ( 199 )
    من لم يعرف قدر النعم بوجدانها عرفها بوجود فقدانها
    يعني : أن من لم يعرف قدر النعم التي أنعم اللَّه بها عليه بوجدانها عنده لغلبة الغفلة عليه عرفها بوجود فقدانها فإنه لا يعرف قدر نعمة البصر إلا من وصل العمى إليه و بضدها تتبين الأشياء
    ( 200 )
    لا تدهشك واردات النعم عن القيام بحقوق شكرك فإن ذلك مما يحط من وجود قدرك
    أي لا تدهشك النعم المترادفة عليك عن القيام بحقوق شكرك لمولاك
    العمل المشترك . . ص 137
    أن ترى عجز نفسك عن توفية ذلك فتترك الشكر فإن ذلك يحط من وجود قدرك و قد رفع اللَّه قدرك حيث جعل القليل منك كثيراً و ادخر لك عليه جزاءً كبيراً . قال تعالى : { مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا } ( 160 ) الأنعام فلا تبخس نفسك حقها و لا تحطها عن قدرها فإن ترك الشكر بسبب كثرة النعم جهل بحق المنعم المفضال كما أن ترك الشكر على النعمة لاستقلالها موجب لغضب الكبير المتعال
    ( 201 )
    تمكن حلاوة الهوى من القلب هو الداء العضال
    يعني : أن تمكن حلاوة ما تهواه النفس من الشهوات الدنيوية من القلب هو الداء العضال الذي يتعذر برؤه فإن القلب محل الإيمان و المعرفة و اليقين و هذه هي الأدوية لأمراضه ما لم يكن الداء معضلاً كتمكن الهوى فلا يفيد فيه إلا وارد إلهي كما أشار إلى ذلك بقوله :
    ( 202 )
    لا يخرج الشهوة من القلب إلا خوف مزعج أو شوق مقلق
    أي لا يكون سبباً في إخراج الشهوة المتمكنة من القلب إلا خوف من اللَّه مزعج يرد على القلب من شهود صفات الجلال ومنشؤه النظر في الآيات المحتوية على ما أعد للعصاة من العذاب الأليم . أو شوق إلى اللَّه مقلق يرد على القلب من شهود صفات الجمال و منشؤه النظر في الآيات المحتوية على ما أعد للطائعين من النعيم المقيم
    ( 203 )
    كما لا يحب العمل المشترك كذلك لا يحب القلب المشترك . العمل المشترك لا يقبله والقلب المشترك لا يقبل عليه
    يعني : أنه سبحانه كما لا يحب العمل المشوب بالرياء و ملاحظة الخلق كذلك لا يحب القلب الذي فيه محبة غيره . و لما كانت المحبة بمعنى ميل
    ص 138
    القلب مستحيلة على اللَّه تعالى بين المراد منها بقوله : العمل المشترك لا يقبله أي لا يثيب عليه لفقد الإخلاص منه و القلب المشترك لا يقبل عليه أي لا يرضى عن صاحب لعدم صدقه في محبته
    ( 204 )
    أنوار أذن لها في الوصول و أنوار أذن لها في الدخول
    يعني : أن الأنوار الواردة على القلوب من خزائن الغيوب و هي الأسرار الإلهية والمعارف الربانية تنقسم إلى قسمين : أنوار أذن لها في الوصول إلى ظاهر القلب فقط فيشاهد معها نفسه و ربه ودنياه و آخرته . وأنوارٍ أذن لها في الدخول إلى صميم القلب و سويدائه فلا يحب العبد عند ذلك سوى مولاه و لا يفعل إلا ما يحبه سيده ويرضاه
    ( 205 )
    ربما وردت عليك الأنوار فوجدت القلب محشواً بصور الآثار فارتحلت من حيث نزلت
    أي ربما وردت عليك أيها المريد الأنوار الإلهية فوجدت قلبك محشواً بصور الآثار الكونية : من أموال و أولاد و غيرهما فارتحلت من حيث نزلت لأنها مقدسة عن حلولها في القلب المدنس بالأغيار . و قد ذكر المصنف ما هو في معنى التفريغ فقال :
    ( 206 )
    فرغ قلبك من الأغيار يملأه بالمعارف و الأسرار
    أي إذا أردت أيها المريد حلول الأنوار في قلبك و تجلي الأسرار و المعارف عليه من ربك ففرغه من صور الأغيار يملأه بالمعارف و الأسرار
    ( 207 )
    لا تستبطئ منه النوال و لكن استبطئ من نفسك وجود الإقبال
    أي لا تستبطئ أيها المريد من ربك العطاء فتقول : أردت الفتح فلم يفتح لي و لكن استبطئ من نفسك وجود الإقبال عليه بترك ما عداه و تسليم الأمر إليه فإن من تعلق بالأغيار لا يصلح أن يكون من الأخيار . فاصدق في الإرادة تنل منه الحسنى وزيادة
    حقوق الأوقات . . ص 139
    ( 208 ) حقوق في الأوقات يمكن قضاؤها و حقوق الأوقات لا يمكن قضاؤها إذ ما من وقت يرد إلا و لله فيه حق جديد وأمر أكيد فكيف تقضي فيه حق غيره ؟ و أنت لم تقض حق الله فيه
    يعني : أن الله تعالى جعل عليك أيها المريد حقوقاً في الأوقات و حقوقاً للأوقات فالحقوق التي في الأوقات المعينة لها كالصلاة و الصوم يمكن قضاؤها في وقت آخر لمن فاتته . و أما حقوق الأوقات وهي المعاملات الباطنية التي تقتضيها أحوال العبد التي يكون عليها من نعمة و بلية و طاعة و معصية فلا يمكن قضاؤها لكون الوقت لا يخلو من حال منها فوقت كل عبد ما هو عليه من تلك الأحوال

    قال سيدي أبو العباس المرسي : أوقات العبد أربعة لا خامس لها النعمة و البلية والطاعة و المعصية و لله عليك في كل وقت منها سهم من العبودية يقتضيه الحق منك بحكم الربوبية . فمن كان وقته الطاعة فسبيله شهود المنة من الله عليه أن هداه لها ووفقه للقيام بها و من كان وقته للمعصية فمقتضى الحق منه وجود الاستغفار و الندم ومن كان وقته النعمة فسبيله الشكر وهو فرح القلب بالله ومن كان وقته البلية فسبيله الرضا بالقضاء و الصبر . و في الحديث : " من أعطي فشكر و ابتلي فصبر و ظلم فغفر و ظلم فاستغفر أولئك لهم الأمن و هم مهتدون " . أي لهم الأمن في الآخرة و هم المهتدون في الدنيا

    ومن كلامهم : الفقير ابن وقته أي يتأدب معه و يعطيه حقه كما يتأدب الولد مه أبيه

    انقياد العبد لمن يحب نوع من العبودية .

    عبدالله محمد
    نائب المدير والاداره
    نائب المدير والاداره

    عدد المساهمات : 171
    تاريخ التسجيل : 13/10/2008
    العمر : 48
    الموقع : بحر الشمال جزيرة ارهوس

    رد: كتاب شرح الحكم العطائية سيدي بن عطاء الله السكندري

    مُساهمة من طرف عبدالله محمد في الخميس أكتوبر 16, 2008 2:18 pm

    ص 140
    فيجب عليك أيها المريد مراقبة الأوقات و إعطاء كل ذي حق حقه فإنه لا يقضي متى فات
    ( 209 )
    ما فات من عمرك لا عوض له و ما حصل لك منه لا قيمة له
    أي ما فات من عمرك أيها المريد لا عودة له فإذا أخليته من العمل الصالح فاتك خير كثير و إذا تأملت قوله تعالى : { وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى } ( 39 ) النجم شمرت عن ساعد الجد كل التشمير . و ما حصل لك منه لا قيمة له أي لا يقاوم بشيء لنفاسته كما قال الإمام علي كرم الله وجهه : بقية عمر المرء مالها ثمن يدرك فيها ما فات و يحي ما أمات و أخذ بعضهم هذا المعنى فقال :
    بقية العمر عندي ما لها ثمن و إن غدا غير محسوب من الزمن
    يستدرك المرء فيها كل فائتة من الزمان و يمحو السوء بالحسن
    ( 210 )
    ما أحببت شيئاً إلا كنت له عبداً و هو لا يحب أن تكون لغيره عبداً
    أي ما أحببت أيها المريد شيئاً من الأشياء إلا كنت له عبداً أي منقاداً
    كما قال بعضهم :
    إذا لعب الرجال بكل شيء رأيت الحب يلعب بالرجال
    وهو تعالى لا يحب أن تكون لغيره عبداً أي لا يرضى بذلك . و في الحديث : " تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم و الخميصة و القطيفة و الزوجة "
    ص 141
    و قال الجنيد : إنك لن تكون على الحقيقة له عبداً و شيء مما دونه لك مسترق و إنك لن تصل إلى صريح الحرية و عليك من حقوق عبوتيك بقية فإن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم
    والحاصل : أن محبة الشيء ملزمة للعبودية له فاجعل محبتك لمن تلزمك عبوديته وتعود عليك بغاية النفع عنايته و ليس ذلك إلا مولاك . فإن أحببت غيره لا من حيث النسبة له أغضبته لأنه لا يرضى الشركة . و أما إذا أحببت غيره من حيث النسبة له كالأنبياء و المرسلين و العلماء و الصالحين فهو من باب الحب في الله و هو محمود بلا اشتباه
    ( 211 )
    لا تنفعه طاعتك و لا تضره معصيتك و إنما أمرك بهذه و نهاك عن هذه لما يعود عليك
    يعني : أن الحق سبحانه لا تنفعه طاعتك أيها المريد فإنه هو الغني الحميد ولا تضره معصيتك و لا معصية جميع الأنام فإنه منزه عن أن يصل إليه مكروه من خلقه لعزته التي لا ترام . و إنما أمرك بالطاعة و نهاك عن المعصية لحكمة يرجع نفعها عليك فاشكر هذه النعمة و استحضرها على الدوام بين عينيك . ثم علل ذلك بقوله :
    ( 212 )
    لا يزيد في عزه إقبال من أقبل عليه و لا ينقص من عزه إدبار من أدبر عنه
    يعني : أنه سبحانه لا يعود عليه نفع من عبيده و لا يلحقه ضرر منهم لكون عزه الذي هو صفة من صفاته الجامعة كالكبرياء و العظمة في غاية الكمال . لا يعتريه نقص من المعصية و لا زيادة من الطاعة و الإقبال
    مقام القرب . . ص 142
    ( 213 ) وصولك إلى الله وصولك إلى العلم به و إلا فجل ربنا أن يتصل به شيء أو يتصل هو بشيء
    يعني : أن الوصول إلى الله تعالى الذي يشير إليه أهل هذه الطريق فيقولون : فلان واصل أو من أهل الوصول . إنما هو الوصول إلى العلم الحقيقي بالله تعالى و هذا هو غاية السالكين و منتهى سير السائرين . و إلا نرد ذلك بل أردنا الوصول المفهوم بين الذوات فلا يصح لأنه تعالى منزه عنه إذ لا يتصل من لا شبيه له بمن له شبيه و نظير

    ( 214 ) قربك منه أن تكون شاهداً لقربه و إلا فمن أين أنت و وجود قربه

    يعني : أن مقام القرب الذي يشير إليه أهل هذه الطريق إنما هو مشاهدتك لقربه تعالى منك قرباً معنوياً لقوله سبحانه : { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } ( 16 ) ق فتستفيد بهذه المشاهدة شدة المراقبة وغلبة الهيبة و التأدب بآداب الحضرة بحيث لا يراك حيث نهاك و لا يفقدك حيث أمرك . وإلا نرد القرب المعنوي بل أردنا القرب الحسي فلا يصح لأنه لا مناسبة بين القديم و الحادث فلا يليق بك إلا وصف البعد و شهوده من نفسك . كما سيقول المؤلف : إلهي ما أقربك مني و ما أبعدني عنك

    ( 215 ) الحقائق ترد في حال التجلي مجملة و بعد الوعي يكون البيان { فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ... ثُمَّ أن عَلَيْنَا بَيَانَهُ } 19 القيامة

    يعني : أن العلوم اللدنية التي يقذفها الحق تعالى في أسرار الأبرار عند

    ص 143

    براءتهم من الدعوى و تحررهم من رق الأغيار لا تتوقف على تعلم و لا دراسة بل هي منح إلهية في غاية النفاسة ترد في حال التجلي من الله على قلوبهم مجملة لا تتبين لهم معانيها لعظم تجلي الرحمن . و بعد الوعي بزوال ذلك التجلي يكون البيان فيتبين لهم معناها وموافقتها لما في أيديهم من العلوم النقلية و العقلية

    فإن الحقيقة موافقة للشريعة لقولهم : حقيقة بلا شريعة باطلة بلا حقيقة عاطلة

    فالحقائق الواردة على قلوب العارفين فيها نوع شبه بالوحي المنزل على سيد العالمين و لذلك استدل بقوله تعالى : { فَإِذَا قَرَأْنَاهُ } أي : أقرأناه لك على لسان جبريل : { فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ } أي : فاستمع لقراءته ثم اقرأه بعد ذلك . { ثُمَّ أن عَلَيْنَا بَيَانَهُ } أي : بيان معانيه لك

    والمراد هنا : فإذا ألقينا عليك - أيها العارف - شيئاً من الحقائق اللدنية والعلوم الإلهامية فلا تعمل فكرك وراجع إلينا في تبيين المبهم وتفصيل المجمل فإن ذلك علينا . وصدق الالتجاء منك أجمل

    ( 216 ) متى وردت الواردات الإلهية إليك هدمت العوائد عليك { إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا } ( 34 ) النمل

    أي متى وصلت التجليات الإلهية إلى قلبك - أيها المريد - وحصل لك من المعارف والأحوال ما تميز به بين ما للشقي والسعيد هدمت العوائد التي اعتادتها نفسك الخبيثة عليك وقربت الأحوال السنية التي يحسن التخلق بها إليك . فإن الواردات الإلهية لها سلطنة عظيمة كالملوك

    فإذا وردت على قلب مشحون بالخبائث أزالتها عنه حتى يصلح للسلوك
    الوارد القهار . . ص 144
    ولذا استدل بقوله تعالى : { إِنَّ الْمُلُوكَ } أي : جنودهم . { إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا } ( 34 ) النمل أي : أزالوا ما تلبس به أهلها من النعيم . وكذلك الواردات الإلهية شبيهة بجنود الملك فتقهر القلب على ترك تعلقه بالشهوات ولا تتركه حتى يستقيم . ثم وضح ذلك بقوله :
    ( 217 )
    الوارد يأتي من حضرة قهار لأجل ذلك لا يصادمه شيء إلا دمغه { بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ } ( 18 ) الأنبياء
    يعني أن الوارد الإلهي الذي يرد على قلب العبد الذي أراد الله تخليصه من رق الأغيار يأتي من حضرة اسمه تعالى قهار - ومعناه الغالب - لأجل ذلك لا يصادمه شيء من رعونات البشرية إلا دمغه أي أصاب دماغه وفي ذلك إتلافه . وهو أيضاً حق ورد على باطل وقد قال تعالى : { بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ } ( 18 ) الأنبياء أي ذاهب . فإذا وردت الواردات الربانية ذهبت بالطبائع العادية فيصير البخيل كريماً والجبان شجاعاً والحريص زاهداً والكسلان مجتهداً والغافل متيقظاً والمتسخط راضياً والمعتمد على الأسباب متوكلاً والمصر على المعاصي مستغفراً إلى غير ذلك من تبديل الخصلة السيئة بالحسنة حتى لا تصدر من المريد إلا الأمور المستحسنة
    وقد علمت أن هذا إنما يكون لمن أراد الله استخلاصه من الأغيار فلا ينافي قوله فيما تقدم : ( ربما وردت عليك الأنوار فوجدت القلب محشواً بصور الآثار فارتحلت من حيث نزلت )
    أسأل الله تعالى أن يمن علينا بجميل الهبات ويصلح فساد قلوبنا بجنود الواردات
    في أن المراد من السحابة المطر وكذلك الوارد ثمرته . . ص 145

    ( 218 ) كيف يحتجب الحق بشيء ؟ والذي يحتجب به هو فيه ظاهر وموجود حاضر
    هذا كقوله فيما تقدم ( كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الظاهر في كل شيء ) يعني : أنه سبحانه في كل شيء ظاهر لأن به تعالى قام كل شيء فأهل البصائر يشاهدون أنه في كل موجود حاضر فكيف يكون ما هو ظاهر فيه حجاباً له حتى يستدل به عليه ؟ وما ذاك إلا من عمى البصيرة وعدم الوصول بأنوار معرفته إليه

    ( 219 ) لا تيأس من قبول عمل لم تجد فيه وجود الحضور فربما قبل من العمل ما لم تدرك ثمرته عاجلاً

    أي : إذا لم تجد العلامة على قبول العمل - التي هي حضور قلبك فيه مع الله تعالى بأن تلاحظ أنك حاضر بين يديه - فلا تيأس من قبوله فإنها علامة غير مطردة لأنه ربما قبل من العمل ما لم تدرك ثمرته أي علامة قبوله عاجلاً . وإنما الشرط في القبول والإخلاص أي : قصد وجه الله بالعمل

    وأما الحضور بالقلب واستلذاذه بالطاعة ووجدان حلاوتهما فهي علامات لا شروط

    ( 220 ) لا تزكين وارداً لا تعلم ثمرته فليس المراد من السحابة الأمطار وإنما المراد منها وجود الأثمار

    هذا رجوع منه للكلام على الوارد يعني : إذا ورد عليك - أيها المريد - وارد فلا تزكينه أي : لا تمدحنه ولا تفرح به حتى تعرف ثمرته وتتحقق بها وهي تأثر القلب به وتبدل صفاته المذمومة بصفات محمودة فتنشط الجوارح للأعمال وتقوم بخدمة ذي العزة والجلال . فليس المراد من السحابة الأمطار بل ما ينشأ عن المطر من وجود الأثمار . فكذلك الوارد إذا لم تحصل ثمرته تكون


    عبدالله محمد
    نائب المدير والاداره
    نائب المدير والاداره

    عدد المساهمات : 171
    تاريخ التسجيل : 13/10/2008
    العمر : 48
    الموقع : بحر الشمال جزيرة ارهوس

    رد: كتاب شرح الحكم العطائية سيدي بن عطاء الله السكندري

    مُساهمة من طرف عبدالله محمد في الخميس أكتوبر 16, 2008 2:19 pm

    ص 146
    تزكيته نوعاً من الاغترار لأنه حينئذ يكون مدحه لحظ النفس فيه من العلم الذي لم يحصل به للقلب استبصار
    ( 221 )
    لا تطلبن بقاء الواردات بعد أن بسطت أنوارها وأودعت أسرارها . فلك في الله غنى عن كل شيء وليس يغنيك عنه شيء
    أي لا تطلبن بقاء التجليات والأحوال التي وردت على قلبك بعد أن بسطت عليه أنوارها فتكيف ظاهرك وباطنك بكيفيات العبودية وأودعته أسرارها استغناء عنها بالملك المعبود
    كما قال بعض أهل الشهود :
    لكل شيء إذا فارقته عوض وليس لله أن فارقت من عوض
    فإن الركون إلى الوارد قادح في إخلاص التوحيد لأنه من الأغيار الشاملة للأنوار والمقامات والأحوال . فكن عبداً للعزيز الحميد فإنه إنما أدخلك في
    ص 147
    الحال لتأخذ منها لا لتأخذ منك لأنه وجهها إليك باسمة باسمه المبدئ فأبداها حتى إذا أدت ما كان لك فيها أعادها باسمه المعيد وتوفاها . ثم علل ذلك بقوله :
    ( 222 )
    تطلعك إلى بقاء غيره دليل على عدم وجدانك له واستيحاشك لفقدان ما سواه
    دليل على عدم وصلتك به
    يعني : أن تطلعك وتشوفك إلى بقاء غيره تعالى من الواردات المذكورة وغيرها من المقامات والأحوال والنعم الظاهرية والباطنية دليل على عدم وجدانك له تعالى إذ لو وجدته في قلبك لم تطلب بقاء غيره ولو وصلت إليه لم تستوحش عند فقد شيء سواه فإنه غاية المطالب ومنتهى الآمال والمآرب . كما قال بعض العارفين :
    كانت لقلبي أهواء مفرقة فاستجمعت إذ رأتك العين أهوائي
    فصار يحسدني من كنت أحسده وصرت مولى الورى مذ صرت مولاي
    تركت للناس دنياهم ودينهم شغلاً بذكرك يا ديني ودنياي
    ( 223 )
    النعيم وإن تنوعت مظاهره إنما هو بشهوده واقترابه والعذاب وإن تنوعت مظاهره إنما هو بوجود حجابه فسبب العذاب وجود الحجاب وإتمام النعيم بالنظر إلى وجهه الكريم
    يعني أن النعيم وإن تنوعت مظاهره التي يظهر فيها من المطاعم والملابس ونحوها في هذه الدار وفي تلك الدار إنما هو بشهوده تعالى بالبصيرة في الدنيا والبصر في الآخرة واقترابه سبحانه من العبد قرباً معنوياً . وأما إذا لم يكن شهود واقتراب كان ذلك النعيم في الحقيقة عين العذاب فإن العذاب وإن تنوعت مظاهره التي يظهر فيها من أنواع العقوبات : كحميم وزقوم وسلاسل وأغلال إنما هو بسبب احتجاب العبد عن ذي العزة والجلال وأما عند مشاهدته فليس ذلك بعذاب . وقد وضح ذلك بقوله : فسبب العذاب وجود الحجاب أي لا تلك المظاهر لذاتها ولذلك لم تكن النار عذاباً على الملائكة الموكلين بها . ويلوح لهذا المعنى قوله تعالى : { كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ } ( 15 ) ( 16 ) المطففين
    في أن ما تجده القلوب من الأحزان من نتائج رؤية النفس . . ص 148
    الْجَحِيمِ } . ثم قال : وإتمام النعيم بالنظر إلى وجهه الكريم أي لا بتلك المظاهر لذاتها
    فهجره أعظم من ناره ووصله أطيب من جنته
    أسأل الله جميل الوصال
    ( 224 )
    ما تجده القلوب من الهموم والأحزان فلأجل ما منعت من وجود العيان
    يعني أن الذي تجده القلوب من الهموم المتعلقة بالمستقبل والأحزان المتعلقة بالماضي إنما يكون لأجل ما منعته من وجود العيان - بكسر العين المهملة - أي معاينة الحق جل شأنه بعين البصيرة وذلك من نتائج رؤية النفس وبقاء حظها . فلو غاب شخص عن رؤية نفسه بمعاينة سيده كان دائم الفرح كما أخبر الله عن سيد الأبرار حين قال لصاحبه في الغار : { لَا تَحْزَنْ أن اللَّهَ مَعَنَا } ( 40 ) التوبة . فمن استنار قلبه بنور المعرفة زال همه وتباعد عنه غمه . لكن من لم يصل إلى هذا المقام يكون همه مصفياً لقلبه وموجباً لتطهيره من الذنوب والآثام . فإن الهموم في الأمور الدنيوية - كطلب المعيشة - كفارات وفي الأمور الأخروية رفع الدرجات
    ( 225 )
    من تمام النعمة عليك أن يرزقك ما يكفيك ويمنعك ما يطغيك
    يعني أن من تمام نعمة الله عليك - أيها المريد - أن يرزقك ما يكفيك من غير زيادة ولا نقصان فإن في الزيادة عن الكفاية الطغيان . قال تعالى : { كَلَّا أن الْإِنسَانَ لَيَطْغَى أن رَآهُ اسْتَغْنَى } ( 6 ) ( 7 ) العلق . وفي النقصان عن الكفاية الاشتغال عن
    ص 149
    طاعة الله تعالى والتعرض للسؤال . وقد قالوا : إذا كان العبد في كفاية ثم مال إلى الدنيا سلبه الله حلاوة الزهد . ثم ذكر فائدة تترتب على الرضا بالكفاف فقال :
    ( 226 )
    ليقل ما تفرح به يقل ما تحزن عليه
    أي ليقل الشيء الذي تفرح به من المال والجاه ليقل حزنك عليه عند فقده . فإن المفروح به هو المحزون عليه إن قليلاً فقليل وإن كثيراً فكثير . كما قيل في ذلك :
    على قدر ما أولعت بالشيء حزنه ويصعب نزع السهم مهما تمكنا
    ودرء مفسدة وجود الحزن مقدم على جلب مصلحة الفرح الذي لا يدوم . كما قيل
    ومن سره أن لا يرى ما يسوؤه فلا يتخذ شيئاً يخاف له فقدا
    فإن صلاح المرء يرجع كله فساداً إذا الإنسان جاز به الحدا
    ثم ذكر ما هو من أفراد ذلك بقوله :
    ( 227 )
    أن أردت أن لا تعزل فلا تتول ولاية لا تدوم لك
    يعني أن أردت أن لا تعزل فتحزن بسبب العزل عن الولاية فلا تتول ولاية لا تدوم لك . فإنها نعمت المرضعة وبئست الفاطمة
    مبتدأ حلو لمن ذاقه ولكن انظر خبر المبتدأ
    كما أشار إلى ذلك بقوله :
    ( 228 )
    أن رغبتك البدايات زهدتك النهايات . أن دعاك إليها ظاهر نهاك عنها باطن
    يعني إذا رغبتك - أيها المغتر - بدايات الأمور الدنيوية كالولاية لرونقها الظاهر زهدتك نهايتها من العزل عنها ولو بالموت ونهاك عنها باطنها من كونها شاغلة عن طاعة عالم السرائر . فالأمور الدنيوية في الظاهر تسر وفي الباطن
    في أن من استحكم في قلبه حب الدنيا لا يقبل نصح الناصحين . . ص 150
    تضر . فمتى رغبتك البدايات بتسهيل ما تريد زهدتك النهايات بالوقوع فيما لا تريد . فالعاقل من زهد في الدنيا . وتأمل قول العزيز القهار : { إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ } ( 39 ) غافر
    ( 229 )
    إنما جعلها محلاً للأغيار ومعدناً للأكدار تزهيداً لك فيها
    يعني أنه سبحانه إنما جعل الدنيا محلاً للأغيار كالأمراض والمحن ومعدن للأكدار التي تكدر الإنسان - فهو بمعنى ما قبله - ليزهدك فيها فورود الأكدار من جملة النعيم عليك لكونها تزهدك في الدنيا قبل أن يصل ضررها إليك
    ( 230 )
    علم أنك لا تقبل النصح المجرد فذوقك من ذواقها ما يسهل عليك وجود فراقها
    يعني أن الله سبحانه علم منك - يا من استحكم فيك حب الدنيا الفانية - أنك لا تقبل نصح الناصحين لك المجرد عن البلايا والأمراض فذوقك من ذواقها أي مما شأنه أن يذاق فيها من تلك المحن ما يسهل عليك فراقها فإن العبد إذا نزل به شيء من ذلك يتمنى الموت ومفارقة الدنيا . فعد ذلك عليك من أعظم المنن وإن ظهر لك في صورة البلايا والمحن . وأما لم يستحكم في قلبه حب الدنيا فإن مجرد النصح يكفيه . كما قال بعضهم :
    العبد يقرع بالعصا والحر تكفيه الملامة
    ولله در القائل :
    إن لله عباداً فطنا طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا
    نظروا فيها فلما علموا أنها ليست لحي وطنا
    جعلوها لجة واتخذوا صالح الأعمال فيها سفنا
    العلم النافع ما قارنته خشية . . ص 151

    ( 231 ) العلم النافع هو الذي ينبسط في الصدر شعاعه ويكشف به عن القلب قناعه
    يعني أن العلم النافع هو العلم بالله تعالى وصفاته وأسمائه والعلم بكيفية التعبد له والتأدب بين يديه لأنه العلم الذي ينبسط في الصدر شعاعه - أي نوره - فيتسع وينشرح للإسلام ويكشف به عن القلب قناعه - أي غطاؤه - فتزول عنه الشكوك والأوهام . قال الجنيد : العلم أن تعرف ربك ولا تعدو قدرك . أي هو معرفة الله وحسن الآداب فلا تغتر بعلم اللسان وعليك بالعلم الذي يوصلك إلى الكريم الوهاب . كما قال المصنف
    :
    ( 232 ) خير العلم ما كانت الخشية معه

    يعني أن العلم النافع هو ما كان صاحبه ملازماً للخشية وهي خوف مع إجلال ينشا عنه العمل

    وقد أثنى الله تعالى على العلماء بذلك فقال : { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ } ( 28 ) فاطر وأما العالم الذي لا خشية معه فليس عالماً على الحقيقة خصوصاً إذا كان همه الجمع والادخار والمباهاة والاستكبار

    فإن علم هذا حجه عليه وسبب في جر وبال العقوبة إليه لأنه لا يكون من ورثة الأنبياء إلا إذا كان بصفة المورث عنه من الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة وتمكن التقوى منه . وما ألطف قول بعضهم
    :
    لو كان للعلم من دون التقى شرف لكان أفضل خلق الله إبليس

    ولقد أحسن من قال
    :
    قالوا فلان عالم فاضل فأكرموه مثل ما يرتضى

    فقلت لما لم يكن ذا تقى تعارض المانع والمقتضى


    عبدالله محمد
    نائب المدير والاداره
    نائب المدير والاداره

    عدد المساهمات : 171
    تاريخ التسجيل : 13/10/2008
    العمر : 48
    الموقع : بحر الشمال جزيرة ارهوس

    رد: كتاب شرح الحكم العطائية سيدي بن عطاء الله السكندري

    مُساهمة من طرف عبدالله محمد في الخميس أكتوبر 16, 2008 2:21 pm

    ص 152
    وناهيك قوله سبحانه في كتابه المكنون : { يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنْ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنْ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ } ( 7 ) الروم . فالزم الطاعة أن أردت أن تكون من العلماء العاملين واستعذ بالله من علم لا ينفع كما استعاذ منه سيد الأولين والآخرين
    ثم أكد المصنف ذلك بقوله :
    ( 233 )
    العلم أن قارنته الخشية فلك وإلا فعليك
    يعني أن العلم النافع الذي يكون لك ثوابه هو ما قارنته الخشية من الله تعالى فتداوم العمل . وإلا بأن قصدت به المباهاة والتعاظم فعليك وزره وخاب منك الأمل . فإنه لا يكون العلم نافعاً إلا إذا كانت نية صاحبه طلب مرضاة مولاه واستعماله فيما يحبه ويرضاه لأن التقرب إلى الله تعالى بالعلم هو مقصود الأكابر من القوم . وناهيك قوله صلى الله عليه وسلم : " كل يوم لا أزداد فيه علماً يقربني إلى ربي فلا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم " وقد قالوا : مثل من قطع الأوقات في طلب العلم فمكث أربعين أو خمسين سنة يتعلم ولا يعمل كمثل من قعد هذه المدة يتطهر ويجدد الطهارة ولم يصل ركعة واحدة . إذ المقصود من العلم العمل كما أن المقصود بالطهارة وجود الصلاة
    وقد سمع أبو داود الطيالسي يحدث عن شعبة أنه كان يقول : الإكثار من
    ص 153
    هذا الحديث يصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون . فإذا كان الإكثار من طلب الحديث بهذه المثارة عند هذين الإمامين مع ما فيه من الفوائد الأخروية فما ظنك بغيره من محدثات العلوم ومبتدعاتها وقد ذكر طلب العلم عند الإمام مالك فقال : إن طلبه لحسن إذا صحت فيه النية ولكن انظر ماذا
    ص 154
    يلزمك من حين تصبح إلى حين تمسي ومن حين تمسي إلى حين تصبح فلا تؤثرون عليه شيئاً
    ( 234 )
    متى آلمك عدم إقبال الناس عليك أو توجههم بالذم إليك فارجع إلى علم الله فيك فإن كان لا يقنعك علمه فمصيبتك بعدم قناعتك بعلمه أشد من مصيبتك بوجود الأذى منهم
    يعني متى أوجعك عدم إقبال الناس عليك بالمدح أو آلمك توجههم إليك بالذم فارجع إلى علم الله فيك فإنه هو الذي يعلم ظاهرك وخافيك فإن كنت عنده مخلصاً في أعمالك فلا تغتم لذم الذامين وإن كنت عنده ممقوتاً فلا تغتر بمدح المادحين فإن كان لا ينفعك علم الله بك بل نظرت إلى ما من المخلوقين فمصيبتك الحاصلة لك بعدم قناعتك بعلمه أشد من مصيبتك بوجود الأذى منهم لبعدك عن رب العالمين
    فلا ينبغي للمريد أن يكون مطمح نظره إلا إلى مولاه فلا يفرح إلا بإقباله عليه ولا يحزن إلا لإعراضه عنه والعياذ بالله
    ( 235 )
    إنما أجرى الأذى على أيدهم كي لا تكون ساكتاً إليهم . أراد أن يزعجك عن كل شيء حتى لا يشغلك عنه شيء
    يعني أنه سبحانه إنما أجرى الأذى لك - أيها المريد - على أيدي الخلق لأجل أن لا تكون مائلاً إليهم بقلبك . فهو في الحقيقة نعمة عليك لأنه أوصلك إلى من لا تصل النعم إلا منه إليك
    قال بعض العارفين : الصيحة من العدو سوط الله يضرب به القلوب إذا ساكنت غيره . ولولا ذلك لرقد العبد في ظل العز والجاه وهو حجاب عن الله عظيم
    وكان بعض العارفين يقول في دعائه : اللهم أن قوماً سألوك أن تسخر لهم
    ص 155
    خلقك فسخرت لهم خلقك فرضوا منك بذلك . اللهم إني أسألك اعوجاج الخلق علي حتى لا يكون لي ملجأ إلا إليك
    وقال في لطائف المنن : اعلم أن أولياء الله حكمهم في بداياتهم أن يسلط الخلق عليهم ليظهروا من البقايا وتكمل فيهم المزايا ولئلا يساكنوا هذا الخلق باعتماد أو يميلوا إليهم باستناد ومن آذاك فقد أعتقك من رق إحسانه ومن أحسن إليك فقد استرقك بوجود امتنانه . ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : " من أسدى إليكم معروفاً فكافئوه فإن لم تقدروا فادعوا الله له " . كل ذلك ليتخلص القلب من رق إحسان الخلق وليتعلق بالملك الحق
    وقول المصنف : أراد أن يزعجك الخ بمعنى ما قبله يعني أراد أن ينفرك من كل شيء سواه حتى لا يشغلك عنه سبحانه شيء . وذلك من أكبر النعم عليك من الله
    قال أبو الحسن الشاذلي : آذاني إنسان مرة فضقت ذرعاً بذلك فنمت فرأيت يقال لي : من علامة الصديقية كثرة أعدائها ثم لا يبالي بهم
    عدم غفلة الشيطان في محاربة الإنسان . . ص 156

    ( 236 ) إذا علمت أن الشيطان لا يغفل عنك فلا تغفل أنت عمن ناصيتك بيده
    يعني إذا تيقنت - أيها المريد - بالأدلة القطعية أن الشيطان لا يغفل عن إغوائك ومحاربتك من كل جهة كما قص الله تعالى ذلك بقوله { ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ } ( 17 ) الأعراف . قال ابن عباس : من بين أيدهم أشككهم في آخرتهم ومن خلفهم أرغبهم في دنياهم وعن أيمانهم أشبه عليهم أمر دينهم وعن شمائلهم أزين لهم المعاصي وأحقق لهم الباطل . فلا تغفل أنت عن مولاك الذي ناصيته بيدك أي قدرته

    ص 157

    وذلك بتحقيق عبوديتك له وتوكلك عليه واعتصامك به والتجائك إليه . فإن الله تعالى يكفيك شره . كما قال سبحانه : { وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ حَدِيثًا } ( 87 ) النساء { إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا } ( 65 ) ا لإسراء

    قال بعض العارفين : الشيطان منديل هذه الدار يعني يمسح به أقذار النسب وهي نسبة الشرور وأنواع المعاصي والفساد إليه أدباً مع الله تعالى . وهذا سر إيجاده كما قال تعالى : { وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أن أَذْكُرَهُ } ( 63 ) الكهف . وقال تعالى : { هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ } ( 15 ) القصص . وأما أن له حولاً وقوة يضر بها أو ينفع فلا آه

    وفي الحديث : " أن إبليس قال : وعزتك وجلالك لا أبرح أغوي بني آدم ما دامت الأرواح فيهم فقال الله تعالى : وعزتي وجلالي لا أبرح أغفر لهم ما استغفروني
    "
    وقال ذو النون المصري : أن كان هو يراك من حيث لا تراه فإن الله يراه من حيث لا يرى الله فاستعن بالله عليه


    عبدالله محمد
    نائب المدير والاداره
    نائب المدير والاداره

    عدد المساهمات : 171
    تاريخ التسجيل : 13/10/2008
    العمر : 48
    الموقع : بحر الشمال جزيرة ارهوس

    رد: كتاب شرح الحكم العطائية سيدي بن عطاء الله السكندري

    مُساهمة من طرف عبدالله محمد في الخميس أكتوبر 16, 2008 2:24 pm

    ص 152
    وناهيك قوله سبحانه في كتابه المكنون : { يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنْ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنْ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ } ( 7 ) الروم . فالزم الطاعة أن أردت أن تكون من العلماء العاملين واستعذ بالله من علم لا ينفع كما استعاذ منه سيد الأولين والآخرين
    ثم أكد المصنف ذلك بقوله :
    ( 233 )
    العلم أن قارنته الخشية فلك وإلا فعليك
    يعني أن العلم النافع الذي يكون لك ثوابه هو ما قارنته الخشية من الله تعالى فتداوم العمل . وإلا بأن قصدت به المباهاة والتعاظم فعليك وزره وخاب منك الأمل . فإنه لا يكون العلم نافعاً إلا إذا كانت نية صاحبه طلب مرضاة مولاه واستعماله فيما يحبه ويرضاه لأن التقرب إلى الله تعالى بالعلم هو مقصود الأكابر من القوم . وناهيك قوله صلى الله عليه وسلم : " كل يوم لا أزداد فيه علماً يقربني إلى ربي فلا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم " وقد قالوا : مثل من قطع الأوقات في طلب العلم فمكث أربعين أو خمسين سنة يتعلم ولا يعمل كمثل من قعد هذه المدة يتطهر ويجدد الطهارة ولم يصل ركعة واحدة . إذ المقصود من العلم العمل كما أن المقصود بالطهارة وجود الصلاة
    وقد سمع أبو داود الطيالسي يحدث عن شعبة أنه كان يقول : الإكثار من
    ص 153
    هذا الحديث يصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون . فإذا كان الإكثار من طلب الحديث بهذه المثارة عند هذين الإمامين مع ما فيه من الفوائد الأخروية فما ظنك بغيره من محدثات العلوم ومبتدعاتها وقد ذكر طلب العلم عند الإمام مالك فقال : إن طلبه لحسن إذا صحت فيه النية ولكن انظر ماذا
    ص 154
    يلزمك من حين تصبح إلى حين تمسي ومن حين تمسي إلى حين تصبح فلا تؤثرون عليه شيئاً
    ( 234 )
    متى آلمك عدم إقبال الناس عليك أو توجههم بالذم إليك فارجع إلى علم الله فيك فإن كان لا يقنعك علمه فمصيبتك بعدم قناعتك بعلمه أشد من مصيبتك بوجود الأذى منهم
    يعني متى أوجعك عدم إقبال الناس عليك بالمدح أو آلمك توجههم إليك بالذم فارجع إلى علم الله فيك فإنه هو الذي يعلم ظاهرك وخافيك فإن كنت عنده مخلصاً في أعمالك فلا تغتم لذم الذامين وإن كنت عنده ممقوتاً فلا تغتر بمدح المادحين فإن كان لا ينفعك علم الله بك بل نظرت إلى ما من المخلوقين فمصيبتك الحاصلة لك بعدم قناعتك بعلمه أشد من مصيبتك بوجود الأذى منهم لبعدك عن رب العالمين
    فلا ينبغي للمريد أن يكون مطمح نظره إلا إلى مولاه فلا يفرح إلا بإقباله عليه ولا يحزن إلا لإعراضه عنه والعياذ بالله
    ( 235 )
    إنما أجرى الأذى على أيدهم كي لا تكون ساكتاً إليهم . أراد أن يزعجك عن كل شيء حتى لا يشغلك عنه شيء
    يعني أنه سبحانه إنما أجرى الأذى لك - أيها المريد - على أيدي الخلق لأجل أن لا تكون مائلاً إليهم بقلبك . فهو في الحقيقة نعمة عليك لأنه أوصلك إلى من لا تصل النعم إلا منه إليك
    قال بعض العارفين : الصيحة من العدو سوط الله يضرب به القلوب إذا ساكنت غيره . ولولا ذلك لرقد العبد في ظل العز والجاه وهو حجاب عن الله عظيم
    وكان بعض العارفين يقول في دعائه : اللهم أن قوماً سألوك أن تسخر لهم
    ص 155
    خلقك فسخرت لهم خلقك فرضوا منك بذلك . اللهم إني أسألك اعوجاج الخلق علي حتى لا يكون لي ملجأ إلا إليك
    وقال في لطائف المنن : اعلم أن أولياء الله حكمهم في بداياتهم أن يسلط الخلق عليهم ليظهروا من البقايا وتكمل فيهم المزايا ولئلا يساكنوا هذا الخلق باعتماد أو يميلوا إليهم باستناد ومن آذاك فقد أعتقك من رق إحسانه ومن أحسن إليك فقد استرقك بوجود امتنانه . ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : " من أسدى إليكم معروفاً فكافئوه فإن لم تقدروا فادعوا الله له " . كل ذلك ليتخلص القلب من رق إحسان الخلق وليتعلق بالملك الحق
    وقول المصنف : أراد أن يزعجك الخ بمعنى ما قبله يعني أراد أن ينفرك من كل شيء سواه حتى لا يشغلك عنه سبحانه شيء . وذلك من أكبر النعم عليك من الله
    قال أبو الحسن الشاذلي : آذاني إنسان مرة فضقت ذرعاً بذلك فنمت فرأيت يقال لي : من علامة الصديقية كثرة أعدائها ثم لا يبالي بهم
    عدم غفلة الشيطان في محاربة الإنسان . . ص 156

    ( 236 ) إذا علمت أن الشيطان لا يغفل عنك فلا تغفل أنت عمن ناصيتك بيده
    يعني إذا تيقنت - أيها المريد - بالأدلة القطعية أن الشيطان لا يغفل عن إغوائك ومحاربتك من كل جهة كما قص الله تعالى ذلك بقوله { ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ } ( 17 ) الأعراف . قال ابن عباس : من بين أيدهم أشككهم في آخرتهم ومن خلفهم أرغبهم في دنياهم وعن أيمانهم أشبه عليهم أمر دينهم وعن شمائلهم أزين لهم المعاصي وأحقق لهم الباطل . فلا تغفل أنت عن مولاك الذي ناصيته بيدك أي قدرته

    ص 157

    وذلك بتحقيق عبوديتك له وتوكلك عليه واعتصامك به والتجائك إليه . فإن الله تعالى يكفيك شره . كما قال سبحانه : { وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ حَدِيثًا } ( 87 ) النساء { إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا } ( 65 ) ا لإسراء

    قال بعض العارفين : الشيطان منديل هذه الدار يعني يمسح به أقذار النسب وهي نسبة الشرور وأنواع المعاصي والفساد إليه أدباً مع الله تعالى . وهذا سر إيجاده كما قال تعالى : { وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أن أَذْكُرَهُ } ( 63 ) الكهف . وقال تعالى : { هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ } ( 15 ) القصص . وأما أن له حولاً وقوة يضر بها أو ينفع فلا آه

    وفي الحديث : " أن إبليس قال : وعزتك وجلالك لا أبرح أغوي بني آدم ما دامت الأرواح فيهم فقال الله تعالى : وعزتي وجلالي لا أبرح أغفر لهم ما استغفروني
    "
    وقال ذو النون المصري : أن كان هو يراك من حيث لا تراه فإن الله يراه من حيث لا يرى الله فاستعن بالله عليه


      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة ديسمبر 02, 2016 1:07 pm